في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف الدفاعي التاريخي، نفسه أمام تحدٍ استراتيجي جديد يتمثل في الصعود المتسارع للصين. يعكس عنوان “الناتو والصين… حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع” الديناميكية المعقدة للعلاقة المتطورة بين كيان عسكري راسخ ولاعب عالمي صاعد بسرعة، مما يثير تساؤلات حول قدرة الناتو على التكيف مع هذه المنافسة غير المباشرة.
صعود الصين وتأثيره على الناتو
تأسس الناتو في عام 1949 كدرع دفاعي جماعي ضد الاتحاد السوفيتي، وكان هدفه الأساسي ضمان الأمن في أوروبا ومنع الفراغ الاستراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن انهيار الاتحاد السوفيتي دفع الحلف إلى إعادة تعريف دوره، موزعاً جهوده بين عمليات خارج حدوده التقليدية، وشراكات دولية، وتوسيع نطاق تهديداته لتشمل الأمن السيبراني والطاقة، وأخيرًا، التحدي الذي تمثله الصين.
في السنوات الأخيرة، بات الاهتمام الأطلسي يتجه بشكل متزايد نحو منطقة الإندو باسيفيك. ويرجع هذا التحول إلى عدة عوامل استراتيجية، أبرزها الترابط العالمي المتزايد للأمن، حيث تؤثر التهديدات السيبرانية وسلامة سلاسل الإمداد وانتشار التكنولوجيا المتقدمة على الأمن بشكل عام.
يُنظر إلى صعود الصين بوصفه تحديًا استراتيجيًا جوهريًا يؤثر على ميزان القوى العالمي. وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بقلق متزايد حيال التطورات العسكرية والاقتصادية الصينية. فالتوسع العسكري الصيني، خاصة في مجالات مثل الصواريخ والفضاء والقدرات السيبرانية، يغير بشكل كبير توازن القوى على الساحة الدولية.
يترافق هذا مع الطموحات الاقتصادية للصين، والتي تتجلى في مبادرات مثل “الحزام والطريق”، والتي تفتح قنوات لنفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما قد يخلق اعتمادًا عليها لدى دول قريبة من المجال الحيوي للناتو. كما أن التقارب المتزايد بين الصين وروسيا، خصوصًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، يثير مخاوف من تنسيق محتمل بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.
تدور أيضًا منافسة غير مباشرة في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصالات وأشباه الموصلات. ويرى الناتو أن التفوق التكنولوجي يعتبر عنصرًا أساسيًا للأمن، مما يجعله مهتمًا بمتابعة التطورات في هذه المجالات.
عقد الناتو في هذا السياق شراكات وتعاونًا مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة وتبادل المعلومات وتنسيقًا سياسيًا. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك خططًا لتوسيع العضوية الرسمية في منطقة الإندو باسيفيك، مفضلاً التركيز على شراكات مرنة بدلًا من الانتشار العسكري الدائم.
الناتو والصين: منافسة استراتيجية وطويلة الأمد
لا يتعامل الناتو مع الصين كعدو مباشر، بل بوصفها “تحديًا طويل الأمد” يتطلب مراقبة دقيقة. فقد أقر قادة الناتو في اجتماع بروكسل عام 2021 بأن “طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد”. في المقابل، نفت الحكومة الصينية بشدة كونها تشكل “تحديًا منهجيًا”، مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا واجهت تحديات مماثلة.
تتهم دول غربية الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات المستقبلية، والسيطرة على الشركات المبتكرة، بالإضافة إلى ممارسة التجسس الإلكتروني وسرقة البيانات والملكية الفكرية. هناك اقتناع غربي بأن الصين منافس قوي، ليس بالضرورة تهديدًا عسكريًا مباشرًا في الوقت الحالي، ولكنها تمثل تحديًا أكبر من روسيا على المدى الطويل نظرًا لقدرتها على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها المتزايد في التجارة والاستثمار العالمي.
قيود تواجه الناتو في مواجهة الصين
تواجه جهود الناتو لمواجهة الصين عقبات عدة، أبرزها آلية اتخاذ القرار بالإجماع، والتي تمنح كل دولة عضو حق الاعتراض، مما يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرارات ومساومات تضعف الاستجابة للأزمات. فالحلف ليس دولة فوق الدول، وكل عضو يحتفظ بسيادته على قواته، مما يجعل المشاركة في العمليات العسكرية اختيارية، ويعقد التخطيط والتنفيذ الموحد.
يضاف إلى ذلك تباين أولويات الدول الأعضاء؛ فدول أوروبا الشرقية تركز على ردع روسيا، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو الاستقرار الإقليمي. هذا التباين في المصالح، بالإضافة إلى الخلافات حول حجم الإنفاق العسكري، يشكل تحديًا للحفاظ على الوحدة الأطلسية. وقد طرحت بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي عبر تقوية القدرات الدفاعية القارية.
يبقى السؤال المطروح هو: كيف يمكن لحلف يتميز بحركته البطيئة أن يتصدى لعملاق صيني يتحرك بسرعة هائلة؟ وهل يشكل هذا التحدي أحد أسباب فتور واشنطن تجاه أعضاء الناتو الآخرين والتلويح بفرط عقد الحلف؟

