مراقبون يصفون مفاوضات أوكرانيا بـ “مسرحية سياسية” و”سلام على الورق”
وسط توالي البيانات المتفائلة عقب جولات المفاوضات الروسية الأوكرانية، تبدو عملية السلام وكأنها تدور في حلقة مفرغة. فقد انتهت جولة جنيف الأخيرة، كما انتهت جولات سابقة، بتبادل عبارات منمقة حول “نقاشات جوهرية” دون تحقيق اختراق في القضايا الأساسية. وصف مراقبون دوليون مسار المحادثات بأنه “مسرحية سياسية” و”سلام على الورق”، نظراً للفجوة بين التصريحات والنتائج الملموسة.
في حين وصف رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي الاجتماعات بأنها “صعبة لكن عملية”، تحدث كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف عن محادثات “مثمرة”. أما المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، فقد أشار إلى “تقدم ذي معنى” دون تقديم تفاصيل واضحة. ورغم هذه التصريحات، لم يتمكن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف من تأكيد موعد أو مكان انعقاد جولة جديدة من المحادثات.
“مسرحية سياسية” لتجنب غضب ترمب
يعتقد مراقبون أن الهدف الرئيسي من هذه “المسرحية السياسية” يتمثل في تجنب تحميل أي طرف مسؤولية الفشل أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فكل من موسكو وكييف تخشيان الظهور بمظهر “المعطِّل”، نظراً للعواقب الوخيمة المحتملة لإغضاب ترمب. أوكرانيا تخشى مزيداً من تآكل الدعم الأمريكي، الذي بدأت تشهد تباطؤاً فيه بالفعل، بينما تخشى روسيا من تحول المزاج في واشنطن نحو تشديد العقوبات، مما قد يضغط على اقتصادها الذي تظهر عليه علامات الإرهاق.
يأتي هذا في ظل اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، مما قد يقلل من اهتمام البيت الأبيض بالملف الأوكراني إذا طال مسار التفاوض دون إنجاز. هذه الديناميكية دفعت موسكو وكييف إلى تنسيق مواقفهما التكتيكية لتجنب إثارة غضب ترمب.
صفقات لإبقاء ترمب سعيداً
تقاطع المصالح التكتيكية بين موسكو وكييف حول تفادي إغضاب ترمب، يبرز أن مسار الحرب لم يعد منفصلاً عن “سوق الصفقات” الذي تسعى موسكو لفتحه مع واشنطن. أشارت تقارير إلى توقيع مستثمر أمريكي اتفاقاً يتعلق بمشروع غاز مع شركة روسية، وهي خطوة تُفسر على أنها اختبار مبكر لمدى قابلية “فك العزلة الاقتصادية” قبل إنهاء الحرب فعلياً.
لا يعني ذلك بالضرورة عودة سريعة للشركات الأمريكية إلى روسيا، لكنه يمنح موسكو أداة إضافية للتواصل مع رئيس أمريكي ذي طبيعة “صفقاتية”. في المقابل، تتسع فجوة الشكوك الأوروبية، حيث تعتقد أجهزة استخبارات أوروبية أن موسكو تستغل مسار التفاوض لتليين العقوبات وإبرام ترتيبات تجارية، وليس لإنهاء الحرب.
أوروبا تدفع الفاتورة
بينما تبدو “المسرحية” السياسية قائمة، تكشف الأرقام عن مصدر الرافعة الحقيقية لصمود كييف. فقد شهد عام 2025 تحولاً حاداً؛ حيث ارتفعت المساعدات العسكرية الأوروبية لأوكرانيا بنسبة 67% مقارنة بمتوسط 2022-2024، بينما زادت المساعدات المالية والإنسانية بنسبة 59%. في المقابل، هبطت المساعدات العسكرية الأمريكية بنحو 99% في 2025، مما جعل أوروبا “محرك البقاء” فعلياً في العام الرابع للحرب.
ومع ذلك، فإن إجمالي المخصصات العسكرية في 2025 ظل أقل بنحو 13% من متوسط 2022-2024، وأقل بنسبة 4% عن مستوى 2022. يعكس هذا استمرار شكاوى أوكرانية بشأن نقص الدفاع الجوي والذخائر. ونتيجة لذلك، زاد الاعتماد على صيغة “الشراء بدل المنح”، حيث مول حلفاء في الناتو مشتريات من الولايات المتحدة لصالح كييف.
ماذا بعد؟
تستمر الجهود الأوروبية لتثبيت المسار السياسي طويل الأمد لأوكرانيا، مع خطط لفتح مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. في المقابل، تبرز مؤشرات على إرهاق الاقتصاد الروسي، مما قد يدفع موسكو نحو فتح “نوافذ اقتصادية” مع الغرب. يبقى التحدي الأكبر هو التوصل إلى حل سياسي دائم يضمن أمن أوكرانيا ويحسم معادلة الأمن في المنطقة، مع ترقب ما إذا كانت المساعدات المتزايدة من أوروبا ستكون كافية لسد الفجوة التي خلفتها قلة الدعم الأمريكي.

