تُعتبر أسرة يوسف المرزوقي نموذجاً رائداً في الإمارات، حيث تتبنى نهجاً تربوياً متكاملاً يرتكز على العمل التطوعي كمسار أساسي لتنمية القيم وبناء الشخصية وتعزيز الهوية الوطنية لدى الأبناء. هذه الأسرة لم تنظر للتطوع كنشاط عابر، بل كثقافة وحياة تُغرس من المنزل وتمتد آثارها الإيجابية لتشمل المجتمع والوطن.

في مشهدٍ يجسد قيم العطاء الأصيلة، برزت أسرة يوسف المرزوقي الإماراتية كمثال يحتذى به في دمج العمل التطوعي في نسيج الحياة الأسرية، محوّلة إياه إلى رحلة تربوية مستمرة. تبدأ هذه الرحلة من داخل المنزل، مستهدفة بناء شخصيات الأبناء وترسيخ هويتهم الوطنية، لتنتقل بعدها لتضيء المجتمع بجهودها الإنسانية والخيرية.

أسرة المرزوقي: التطوع كمسار تربوي متكامل

تؤكد سيدة الأسرة، فاطمة الحمادي، أن رحلة التطوع لم تكن وليدة الصدفة، بل نابعة من قناعة راسخة بأن التربية الحقيقية تتجاوز حدود التعليم التقليدي. بدأت المبادرة مع دخول الأبناء المدارس، حيث آمنت الأسرة بأن المدرسة بيئة مثالية لغرس القيم. ومن هذا المنطلق، حرصت الأسرة على المشاركة الفاعلة في الفعاليات المدرسية، داعمةً للمعلمين، وغارسةً في أبنائها مفهوم أن العطاء يبدأ من أقرب دائرة.

تطورت الممارسات التطوعية تدريجياً، بدءاً بخطوات بسيطة مثل المساعدة في تنظيف المدرسة بعد الفعاليات، وزراعة حدائقها، والمشاركة في الأنشطة اللاصفية. هذه الممارسات الأولية شكّلت بذرة وعي مبكر لدى الأبناء، ومهدت الطريق لتجارب أكثر شمولاً.

المبادرة والتنظيم: نقلة نوعية في العطاء

أشارت الحمادي إلى أن التحول الحقيقي في رحلة الأسرة بدأ عندما انتقلت من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المبادرة والتنظيم. فقد شعرت الأسرة بمسؤولية أكبر في أن تكون سبّاقة ومنظّمة للجهود التطوعية، مدركةً أن جوهر التطوع يكمن في القيادة وصناعة الأثر. تنوعت مجالات العطاء لتشمل العمل الخيري في شهر رمضان، من خلال مبادرات إفطار الصائمين وتوزيع وجبات السحور على العمال، بالإضافة إلى المبادرات البيئية والإنسانية والمعرفية، مما يعكس شمولية رؤية الأسرة وعمق التزامها.

القدوة والحوار: أساس ترسيخ القيم

وللتأكيد على أهمية غرس ثقافة التطوع، شددت فاطمة الحمادي على دور الحوار والقدوة في هذه العملية. فقد حرصت الأسرة على شرح معنى التطوع وأهدافه وأثره للفرد والمجتمع. والأهم من ذلك، كان الالتزام بأن يكونوا قدوة حقيقية للأبناء، يشاركونهم العمل التطوعي، لا أن يقوموا به نيابةً عنهم. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ قيم العطاء والتكافل والإنسانية وحب الوطن، وجعلها جزءاً لا يتجزأ من تكوين الأبناء وسلوكهم اليومي.

“حقيبتي المدرسية عون لهم”: مبادرة وطنية

من أبرز المبادرات التي تفخر بها الأسرة مبادرة “حقيبتي المدرسية عون لهم”، التي استمرت لسبع سنوات متتالية. تحوّلت هذه المبادرة من فكرة أسرية إلى مشروع وطني بالتعاون مع جهات خيرية ومدارس وفرق تطوعية. تأتي هذه المبادرة من إيمان الأسرة بأهمية دعم الطلاب من الأسر المتعففة، وأن توفير حقيبة مدرسية متكاملة يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في حياة الطفل، مانحةً إياه شعوراً بالكرامة والانتماء. وقد نفذت الأسرة ما يزيد عن 150 مبادرة متنوعة شملت مختلف القطاعات الخيرية والبيئية والإنسانية والمعرفية.

التطوع: تجربة إنسانية تُبنى عليها المجتمعات

تؤمن فاطمة الحمادي بأن الأسرة هي النواة الأساسية للتغيير، وأن الأبناء الذين يُربّون على التطوع داخل الأسرة ينقلون هذه الثقافة تلقائياً إلى محيطهم. فالعطاء، في نظرها، هو عدوى إيجابية تنتشر عبر الفعل قبل القول. وتشير إلى أن مشاركة الأبناء في العمل التطوعي هي تجربة إنسانية عميقة، ساهمت في تغيير نظرتهم للمجتمع، ورسّخت لديهم مهارات القيادة والتنظيم والتواصل، إضافة إلى تقدير النعم والشعور بالمسؤولية نحو الآخرين.

التطلعات المستقبلية: سفراء للعطاء الإماراتي

تطمح الأسرة إلى الاستمرار في هذا النهج، وتمثيل دولة الإمارات في المحافل العالمية، ونقل رسالة التطوع كقيمة إنسانية وهوية وطنية راسخة. يأتي هذا الطموح في ظل سجل حافل بالجوائز والتكريمات، أبرزها “جائزة الشارقة للعمل التطوعي” لفئة الأسرة، التي حصدتها الأسرة لأربع دورات متتالية، بالإضافة إلى تكريم الابنة سارة في فئة الطالب الجامعي. كما نالت الأسرة جوائز “التميز الاجتماعي”، “سفير التواصل الاجتماعي”، و”يوم زايد للعمل الإنساني”، وغيرها من الجوائز التي تعكس حجم الأثر الذي أحدثته في المشهد المجتمعي.

الخطوات القادمة

تتجه أسرة المرزوقي نحو تعزيز مبادراتها الحالية واستكشاف مجالات تطوعية جديدة، مع التركيز على التوسع في الشراكات المجتمعية لزيادة نطاق تأثيرها. يبقى التحدي أمام هذه الأسرة هو كيفية استدامة هذا النموذج التربوي الملهم وتعميمه على نطاق أوسع، وضمان استمرار تدفق الدعم والموارد اللازمة لمواصلة مسيرتها المتميزة في خدمة المجتمع.

شاركها.