كتب – سيد متولي
10:00 م
01/02/2026
في قلب المناظر الطبيعية الخلابة لولاية آسام، وتحديدًا في مقاطعة ناجاون الهندية، حيث تمتد سلسلة جبال كاربي أنجلون، تقع قرية هاتيكولي–رونجهانج، التي تسطر فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع بين الإنسان والحياة البرية.
كانت هذه القرية تُعرف سابقًا بحوادث إتلاف المحاصيل والصدامات المتكررة بين القرويين وقطعان الأفيال، لكنها اليوم تُحتفى بها كنموذجٍ ملهم عالميًا، حيث تتجول الأفيال البرية بحرية وسط الأراضي الزراعية، ويعيش السكان جنبًا إلى جنب مع هذه المخلوقات المهيبة، بحسب موقع Indiatimes.
تقع المنطقة عند ملتقى تلال كاربي أنجلون المتموجة مع سهول وادي براهمابوترا الفيضية. وبمزيجها من الغابات المحمية وحقول الأرز والأراضي المجتمعية، تُعد هاتيكولي جزءًا من مسارات هجرة الأفيال التي تنزل من الغابات بحثًا عن الطعام خلال موسمي الجفاف والحصاد، وفي الماضي، كانت هذه الهجرة الطبيعية تنتهي غالبًا بمآسٍ، إذ كانت الأفيال، مدفوعة بالجوع وفقدان الموائل، تهاجم المحاصيل الناضجة، فيرد القرويون بالخوف أو الدفاع.
ثورة “هاتي بوندو”
لم يأتِ التحول هنا عبر الأسوار أو الخنادق أو وسائل الردع، بل جاء من الطعام والاحترام. ففي عام 2018، أسس الناشط البيئي براديب كومار بهويان (الذي كان يبلغ من العمر 90 عامًا آنذاك)، إلى جانب الناشط المحلي بينود دولو بورا، منظمة شعبية تُدعى “هاتي بوندو”، وتعني حرفيًا “أصدقاء الأفيال”.
وبدلًا من طرد الأفيال، تبنى القائمون على المبادرة فكرة جريئة تقوم على تزويدها بما تحتاجه من غذاء، ولهذا الغرض، أُنشئت حقول مزروعة خصيصًا للأفيال، حتى لا تهاجم محاصيل المزارعين، وعلى امتداد مئات الأفدنة بالقرب من هاتيكولي والقرى المحيطة، بدأ السكان بزراعة عشب نابير (عشب الفيل)، وهو علف سريع النمو وغني بالعناصر الغذائية تحبه الأفيال، إضافة إلى زراعة الأرز في قطع أراضٍ مخصصة للأفيال قبل حصاده للاستهلاك البشري، وأطعمة أخرى صديقة للأفيال مثل الكاكايا وتفاح الفيل.
وجاءت النتائج مذهلة؛ إذ جرى تحويل أكثر من 800 بيجا (نحو 266 فدانًا) من الأراضي غير المنتجة سابقًا إلى مناطق تغذية للأفيال، ما أدى إلى انخفاض كبير في غاراتها على المحاصيل. وخلال السنوات الثماني الماضية، لم تُسجل أي إصابات ناجمة عن الصراع بين الإنسان والفيل في المنطقة.
أكثر من مجرد قصة حماية
ما يجعل هاتيكولي مميزة، وبالتالي تستحق الزيارة، ليس طبيعتها وحدها، بل روح المجتمع، فقد تبرع السكان بأنفسهم بالأراضي والجهود لإنشاء ممرات غذاء الأفيال، واضعين رفاهية المجتمع ككل في المقدمة.
وشاركت النساء والشباب بفاعلية في زراعة هذه الممرات وصيانتها، جامعِين بين الاحترام التقليدي للأفيال وقيم الحفاظ على البيئة المعاصرة. أما المزارعون الذين هجَروا حقولهم سابقًا بسبب غارات الأفيال، فأصبحوا اليوم يحصدون محاصيل وفيرة دون خوف.
وقد حظي المشروع باهتمام وطني واسع، حتى إن رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، أشار إليه كنموذج ناجح لحلول النزاعات البيئية القائمة على المجتمع بين الإنسان والطبيعة.
ماذا ينتظر المسافر؟
لا تُعد هاتيكولي مجرد قصة نجاح بيئي، بل وجهة غنية بالتجارب، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بـ:
جولات صباحية مبكرة عبر مناطق الأفيال، حيث تعبر القطعان الحقول الخضراء عند الفجر في مشهد آسر.
نظرة ثقافية على جهود الحماية المجتمعية، عبر مرشدين محليين من مزارعي ومتطوعي “هاتي بوندو”.
الإقامة مع العائلات المحلية والاستمتاع بالمطبخ الآسامي الأصيل والحياة الريفية الهادئة.
التصوير الفوتوغرافي والتنزه في الطبيعة وسط تنوع غني من الطيور والنباتات والحيوانات.
كما تتميز القرية بقربها من معالم شهيرة مثل منتزه كازيرانغا الوطني، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو.
أفضل وقت للزيارة
تهاجر الأفيال عادة عبر هاتيكولي بين أواخر موسم الرياح الموسمية وأوائل الشتاء، ما يجعل الفترة من أغسطس إلى ديسمبر الأنسب لمشاهدة القطعان، مع بقاء القرية وجهة جذابة على مدار العام.
كيفية الوصول
يمكن الوصول إلى هاتيكولي برًا من مدن مثل ناجاون وجواهاتي، أقرب مدينة تضم مطارًا وخطوط سكك حديدية، ومن جواهاتي، تنطلق رحلة برية خلابة عبر الريف الآسامي، مرورًا بمزارع الشاي والأنهار الصغيرة.

