يشهد قطاع التكنولوجيا المالية (الفنتك) السعودي دخول مرحلة نضج حاسمة، متحولاً من مرحلة التبني والتجريب إلى التركيز على التنفيذ العميق والتوسع المستدام. بعد أن حققت المملكة إنجازات لافتة في رقمنة المعاملات المالية، حيث تجاوزت نسبة المعاملات الرقمية في قطاع التجزئة 80%، يبدأ القطاع الآن في مواجهة تحديات جديدة تتطلب بنية تحتية متطورة وعمليات متكاملة.

الفنتك السعودي: من التبني إلى التنفيذ

يؤكد محمد عويضة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»، أن قطاع التقنية المالية في السعودية وصل إلى نقطة تحول جوهرية. فالمملكة لم تعد فقط مستهلكاً للتقنيات المالية، بل أصبحت تنافس الأسواق الرائدة عالمياً، خاصة في مجال المدفوعات. ومع ذلك، فإن المرحلة الحالية تركز بشكل متزايد على التنفيذ الفعلي وتجاوز التحديات التشغيلية.

لقد شهد المستخدمون تحسناً ملحوظاً في الخدمات المالية الرقمية، مثل المحافظ الإلكترونية والمدفوعات السلسة، مما يعكس نجاح مرحلة التبني. لكن هذا النجاح السطحي يخفي حاجة أعمق لدمج التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، في صميم العمليات الأساسية للمؤسسات المالية.

وفقاً لعويضة، لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات المالية السعودية يقتصر غالباً على التطبيقات الخارجية مثل واجهات المحادثة، مقارنةً بدمجه في الوظائف الحيوية كإدارة الاحتيال، اتخاذ قرارات الائتمان، أو الأتمتة التشغيلية.

ترجع هذه المحدودية غالباً إلى وجود بنى تحتية قديمة ومنصات متعددة للموردين، مما يعيق عملية دمج التقنيات الحديثة بفعالية. بدون بيانات موحدة وبنية حديثة، تظل القدرات المتقدمة محدودة، مما يؤثر على كفاءة التوسع.

التنفيذ: التحدي الحقيقي للنمو

مع نضوج السوق، تتغير طبيعة التحديات. فبينما أصبحت الأطر التنظيمية والهياكل الداعمة متوفرة، يكمن العائق الرئيسي حالياً في التنفيذ اليومي والتشغيل بكفاءة. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84% من المؤسسات المالية السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية، ما يعكس إدراكها لهذه الحاجة الملحة.

في مجال التمويل، لا تزال أكثر من 60% من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على أنظمة قديمة، ويعتمد أكثر من 87% على موردين خارجيين. هذا الاعتماد المفرط يؤدي إلى بطء تشغيلي وفجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها وتوسيع نطاقها.

يعاني القطاع من فجوة واضحة بين سرعة إطلاق المنتجات المالية وسهولة تطويرها أو توسيع نطاقها. وفي كثير من الحالات، تفوت المؤسسات فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو المطلوب.

التجزئة والبيانات: محركات التحول

تُعدّ التجزئة في الاعتماد على الشركاء الخارجيين أحد أبرز التحديات. حيث يعتمد أكثر من 73% من المؤسسات بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها، مما يزيد من تعقيد التنسيق ويبطئ التنفيذ.

هذا الانقسام لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يمتد ليشمل الحوكمة، الامتثال، والأمن، حيث يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة. وينتج عن ذلك ابتكار جزئي في جيوب منفصلة بدلاً من تكامله داخل المؤسسة.

تقف البيانات كعائق أساسي في هذه المرحلة، حيث تكون موزعة عبر أنظمة متعددة، مكررة، وتُعالج بطرق غير فعالة، مما يحد من القدرة على تطبيق تقييم المخاطر اللحظي، التسعير الديناميكي، وتقديم خدمات مالية مخصصة.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتضاعف الابتكار. تتيح هذه النماذج تقييم المخاطر فورياً، وتسعير المنتجات ديناميكياً، وتقديم خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية، مما يجعل مفهوم الخدمات المفتوحة (Open Banking) واقعاً ملموساً.

التنظيم والكفاءات البشرية: عوامل تمكين

يُعدّ وضوح الإطار التنظيمي الذي يوفره البنك المركزي السعودي عاملاً قوياً يمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة. كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار المالي.

في المرحلة المقبلة، سيكون التحدي هو الحفاظ على هذا التوازن بين السرعة والضوابط، مع تطور دور الشركاء التقنيين نحو تقديم دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

يؤكد عويضة على أهمية الكفاءات البشرية، مشيراً إلى أن التقنيات المتقدمة غالباً ما تفشل عند توزيع المسؤولية. والمؤسسات الناجحة هي تلك التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل.

تُعد تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن رؤية 2030، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، مما يساهم في تطور القطاع المالي والاقتصادات بشكل عام.

مرحلة النضج: الكفاءة والتكامل

في مرحلة النضج القادمة، لن يُقاس نجاح قطاع الفنتك السعودي بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. الهدف هو إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية.

ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. كما أن إزالة القيود ستسمح للابتكار بالظهور تلقائياً، مما يدعم التوسع المستدام وبناء أنظمة متينة للابتكار المستمر.

شاركها.