تمتلك دولة الإمارات سجلاً حافلاً في نشر السلام، وترسيخ الاستقرار حول العالم، منذ عهد الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
حيث كرست الدولة منذ البدايات مكانتها لاعباً أساسياً وشريكاً فاعلاً في دعم مبادرات السلام إقليمياً ودولياً، مستندة إلى إرث إنساني عميق ورسالة حضارية تقوم على إعلاء قيم المحبة والتسامح ونبذ التعصب. وقد شكل هذا النهج حجر الأساس الذي انطلقت منه السياسة الإماراتية، ليصبح السلام خياراً ثابتاً لا تحكمه الظروف ولا تبدله التحولات.
وفي ضوء هذه الأسس الراسخة، ومع قيام الاتحاد، أخذت دولة الإمارات تبني سياستها الخارجية على مبدأ التوازن والاعتدال، فحرصت على إقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إدراكاً منها أن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر الثقة والتعاون، وهو ما مهد لتطور الحضور الدبلوماسي الإماراتي ليواكب التحولات الإقليمية والدولية.
ويؤكد التزام الدولة بثوابت العمل المشترك والحوار كوسيلة لمعالجة الأزمات وتجاوز الخلافات. وبالتوازي مع اتساع دائرة علاقاتها الدولية تعزز دور الإمارات في دعم جهود السلم والتنمية.
حيث لم تقتصر رؤيتها على معالجة النزاعات، بل امتدت إلى ترسيخ قيم التعايش والعدالة، وهو ما انعكس بوضوح على نموذجها الداخلي، إذ احتضنت أكثر من 200 جنسية تعيش في انسجام وتكامل، في تجربة إنسانية أصبحت مرجعاً عالمياً للتعايش بين الثقافات، حيث شكل هذا النموذج امتداداً طبيعياً لفلسفة الدولة في تعاملها مع العالم، باعتبار الإنسان محور التنمية وغايتها.
سياسات خارجية
ومن خلال هذا النهج الإنساني الشامل أسهمت السياسات الخارجية المتوازنة في تعزيز مكانة الإمارات الدولية، وبناء جسور التفاهم مع مختلف الدول والمنظمات، ما انعكس في نجاحها المتنامي على الساحة العالمية.
وكان تصدُّر جواز السفر الإماراتي قائمة الأقوى عالمياً في ديسمبر 2018 دليلاً ملموساً على حجم الثقة الدولية بالدولة، وعلى ما حققته من مصداقية واحترام نتيجة مسار طويل من العمل الدبلوماسي المسؤول.
لم تتوانَ الإمارات عن تقديم الدعم السخي، سواء من خلال الإغاثة العاجلة أو المشاريع التنموية الكبرى، من محطات الطاقة إلى إعادة تأهيل المطارات والطرق الحيوية، فضلاً عن الدعم الاقتصادي المتمثل في الوديعة المليارية لإنقاذ الاقتصاد اليمني من الانهيار.
وقد بلغ إجمالي المساعدات الإماراتية لليمن أكثر من 22.97 مليار درهم بين عامي 2015 و2021، مع استمرار تدفق الدعم في السنوات التالية، تأكيداً لالتزام الإمارات الثابت تجاه الشعب اليمني وحقه في التنمية والاستقرار.
التنمية المستدامة
وتعزّزَ التقدير الدولي لدور الدولة بانتخابها عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، وهو ما يحمل أهمية كبيرة، لا لأنه يمثل تتويجاً لمسيرة حافلة من الجهود التي قامت وتقوم بها الدولة من أجل تحقيق التنمية العالمية والأمن والاستقرار الدوليين فحسب،.
وإنما لأنه يعكس أيضاً المكانة التي أصبحت تحظى بها دولة الإمارات على الساحة الدولية، وبالطبع الثقة العالية في قدرتها على المساهمة بفاعلية في تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وحفظ السلم العالمي، والالتزام الشديد بتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة مطلع الألفية الجديدة. وسخرت دولة الإمارات عضويتها في مجلس الأمن لتعزيز الأمن والسلم الدوليين ودعم القضايا الإنسانية والعربية.
وتركت بصمات في مسيرتها تعلقت بالتشجيع واقتراح الحلول لتجاوز أزمات وتحديات كانت قائمة، وعملت على ترك بصمة عربية بارزة في إحدى أهم مؤسسات العمل الجماعي الدولي، خلال مرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها البشرية عبر تاريخها.
وتوج حراكها المتواصل باختراق تاريخي لمعالجة الأزمة لدعم غزة في آخر أيام عضويتها، باعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً إماراتياً يدعو إلى اتخاذ خطوات جوهرية وملموسة لزيادة تدفق المساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها الفلسطينيون بشدة في قطاع غزة، وحماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني على الأرض.
لم يكن دور الدولة في تعزيز السلم والاستقرار محصوراً في شأن واحد، ففي ظل الأزمات السياسية الممتدة، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، واصلت الإمارات دعمها لمسارات الحل السلمي.
وسعت إلى تخفيف حدة التوترات، والدفع نحو حلول واقعية للصراعات، ومع تطور النظام الدولي وتزايد التحديات العابرة للحدود، مثل التغير المناخي، والتطرف، وتسارع التحول التكنولوجي، وسعت الإمارات من أدوارها، لتصبح شريكاً فاعلاً في صياغة الحلول المستقبلية، مستندة إلى رؤية تنموية جعلتها مركزاً عالمياً للاقتصاد والابتكار واستكشاف الفضاء، في تلازم واضح بين التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار العالمي.
وقد اتسمت استراتيجية دولة الإمارات بالهدوء والدقة وإعلاء القواعد العلمية لإدارة الأزمات والطوارئ والكوارث.
إقصاء الاختلافات
ومثلت التحركات الدبلوماسية الإماراتية باتجاه بعض الدول الإقليمية نهجاً تشاركياً يعكس رؤية الإمارات وميلها الدائم نحو ترسيخ الأمن والسلم الدوليين، بما يعكس قدرتها على أداء دور فاعل في مجلس الأمن الدولي.
وتشير قراءة تفاعلات وتحركات الدبلوماسية الإماراتية بشكل عام في السنوات الأخيرة إلى أن السياسة الخارجية الإماراتية تمثل نموذجاً للحيوية والفاعلية والديناميكية.
ويعود ذلك بالأساس إلى نجاح الجهاز الدبلوماسي الذي تقوده القيادة الرشيدة، في التعاطي مع أزمات منطقة الشرق الأوسط والحد من تأثيراتها السلبية على المنطقة وشعوبها، حيث حققت الدبلوماسية الإماراتية على هذا الصعيد تفوقاً مشهوداً وضع الدولة في مكانة بارزة ضمن حسابات العواصم الدولية الكبرى، أو ما يعرف بعواصم صنع القرار العالمي. وكان أثر ذلك واضحاً في العام 2025.
حيث برزت تحركات ومساعٍ حثيثة لدولة الإمارات لنزع فتيل العديد من الأزمات التي شهدها العالم، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة، حيث أكدت الإمارات خلال جلسة مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري التي عقدت في سبتمبر الماضي، أهمية حشد أكبر دعم دولي لوقف العدوان الإسرائيلي على القطاع، وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، إضافة إلى وقف التدهور في الأوضاع بالضفة الغربية والقدس، ومواجهة الممارسات الإسرائيلية غير الشرعية، وتغول المستوطنين والمتطرفين.
موقف ثابت
ودعت دولة الإمارات إلى تحرك جماعي دولي مسؤول يضمن حماية الحقوق الفلسطينية، ويؤسس لسلام عادل ودائم، يستند إلى حل الدولتين، ويكفل قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ولم تدخر الدولة جهداً في استمرار توفير الدعم الإنساني والإغاثي للأشقاء الفلسطينيين عبر عملية «الفارس الشهم 3»، وبكل الطرق البرية والبحرية والجوية.
وفي السودان أكدت دولة الإمارات تمسكها بموقفها الثابت من الصراع في السودان الشقيق، والذي دعم على الدوام الحلول السلمية التي تحفظ وحدة البلاد وتحقن دماء أبناء الشعب الواحد، وهو ما جسدته الجهود الدبلوماسية التي بذلتها منذ بداية الأزمة إلى الآن.
كما واصلت دولة الإمارات موقفها الداعم للأشقاء في الجمهورية العربية السورية وكل ما يصب في مصلحتهم ويسهم في تحقيق تطلعاتهم نحو التنمية والاستقرار وبناء مستقبل مزدهر.
وشاركت الإمارات في المؤتمر الدولي حول سوريا الذي عقد في فبراير الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، مؤكدة حرصها على دعم استقلال وسيادة سوريا على كامل أراضيها، ودعم تطلعات الشعب السوري في التنمية والازدهار من أجل بناء سوريا موحدة ومستقرة وآمنة.
كما أثمرت الجهود الحكيمة التي قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في التمهيد للإعلان المشترك الذي وقعت عليه أرمينيا وأذربيجان في «واشنطن»، والذي وضع حداً نهائياً للقتال بينهما، وتضمن إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية كاملة والاحترام المتبادل لسيادة وسلامة أراضي كل منهما.
وكان للجهود التي قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أثر كبير في احتواء آثار الاستهداف العسكري الإسرائيلي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في العام الماضي، والعمل على وقفه.
كما أعربت الدولة عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتصريحات غير المقبولة والمستفزة لبنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بشأن إقامة دولة فلسطينية في أراضي المملكة العربية السعودية.
مؤكدة رفضها القاطع لتلك التصريحات التي تُعتبر تعدياً سافراً على قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأعربت عن تضامنها الكامل مع السعودية والوقوف معها في صف واحد ضد كل تهديد يطال أمنها واستقرارها وسيادتها.
مؤكدة أن سيادة السعودية «خط أحمر». وفيما يتعلق بملف روسيا وأوكرانيا، واصلت دولة الإمارات خلال العام الماضي مساعيها الرامية إلى إنجاح جهود التوصل إلى حل سلمي للنزاع في أوكرانيا، والتخفيف من الآثار الإنسانية الناجمة عنه، وقد أثمرت جهود الوساطة الإماراتية في إنجاز العديد من عمليات تبادل الأسرى بين روسيا الاتحادية وجمهورية أوكرانيا.
