يشهد قطاع الغذاء تطورات ثورية، ويبرز إنتاج اللحوم المستزرعة كأحد أبرز الابتكارات العلمية التي تعد بتغيير مستقبل استهلاك البروتين. يسعى العلماء والشركات الناشئة إلى تطوير طرق مستدامة وفعالة لإنتاج اللحوم في المختبر، مما يفتح آفاقًا جديدة للتغلب على التحديات البيئية وتلبية الطلب المتزايد على اللحوم.
بدأت مختبرات حول العالم، مدعومة باستثمارات كبيرة، في تحقيق تقدم ملحوظ في هذا المجال. في السنوات الأخيرة، تمكّنت عدة شركات من تطوير عينات أولية من اللحوم المستزرعة، مما يمثل خطوة هامة نحو الإنتاج التجاري. تتنوع التقنيات المستخدمة، لكن الهدف الأساسي يبقى واحداً: محاكاة عملية نمو أنسجة الحيوانات لإنتاج لحوم آمنة ومغذية.
طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة
تعتمد معظم الطرق العلمية المبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة على تقنية زراعة الخلايا. تبدأ العملية بأخذ عينة صغيرة من خلايا حيوانية حية، غالباً من عضلة أو دهون، دون الإضرار بالحيوان. تُعرف هذه العملية باسم “أخذ الخزعة”. يتم بعد ذلك فصل الخلايا الجذعية أو الخلايا العضلية الأولية عن الأنسجة المحيطة بها.
تُغذى هذه الخلايا المنتقاة في مفاعلات حيوية تحتوي على وسط نمو غني بالعناصر الغذائية الأساسية، بما في ذلك الأحماض الأمينية، والفيتامينات، والمعادن، وعوامل النمو. هذه المكونات توفر البيئة المثالية للخلايا للانقسام والتكاثر، تماماً كما يحدث داخل جسم الحيوان. الهدف هو زيادة كتلة الخلايا بشكل كبير لتكوين المنتَج النهائي.
من بين التقنيات الواعدة، تأتي تقنية “الهندسة النسيجية”. بعد تكاثر الخلايا، يتم توجيهها لتكوين هياكل نسيجية ثلاثية الأبعاد تشبه اللحم الحقيقي. يمكن تحقيق ذلك باستخدام سقالات قابلة للتحلل مصنوعة من مواد طبيعية أو اصطناعية، والتي توفر إطاراً لتنظيم الخلايا وتشكيلها كأنها أنسجة عضلية. يساعد ذلك في محاكاة القوام والخامة المطلوبة.
هناك أيضاً أساليب تركز على إنتاج اللحم المفروم أو النقانق، والتي غالباً ما تكون أبسط من الناحية الهيكلية. تعتمد هذه الطرق بشكل أقل على الهياكل ثلاثية الأبعاد المعقدة، وتركز على زراعة الخلايا ودمجها مع مكونات أخرى لتشكيل المنتجات الغذائية. بعض الشركات تستكشف إمكانية دمج الخلايا الدهنية مع الخلايا العضلية لتحسين النكهة والشكل.
لماذا إنتاج اللحوم المستزرعة؟
الدافع الرئيسي وراء تطوير زراعة خلايا اللحوم هو مواجهة التحديات البيئية والصحية المرتبطة بتربية المواشي التقليدية. يستهلك إنتاج اللحوم التقليدية كميات هائلة من الأراضي والمياه، وينتج عنه نسبة كبيرة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. اللحوم المستزرعة لديها إمكانية تقليل هذه الآثار بشكل كبير.
بالإضافة إلى ذلك، تمنح هذه التقنية القدرة على التحكم في عملية الإنتاج بشكل كامل، مما يفتح الباب أمام إنتاج لحوم صحية وآمنة. يمكن تصميم اللحوم المستزرعة لتكون خالية من المضادات الحيوية، والحد من مخاطر انتقال الأمراض الحيوانية للإنسان، والتحكم في مستويات الدهون أو أنواع معينة من الأحماض الدهنية.
تُسهم اللحوم المزروعة في المختبر في تعزيز الأمن الغذائي العالمي، خاصة مع تزايد عدد سكان العالم والطلب المتوقع على البروتين. توفر طريقة مستدامة لإنتاج الغذاء يمكن أن تقلل من الاعتماد على الموارد الطبيعية المتناقصة.
التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من التقدم المثير، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه الإنتاج التجاري للحوم المستزرعة. أحد أبرز هذه التحديات هو خفض تكلفة الإنتاج. حالياً، لا تزال تكلفة إنتاج اللحوم المستزرعة أعلى بكثير من تكلفة اللحوم التقليدية، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة أوساط النمو وعوامل النمو. تعمل الشركات على إيجاد حلول لخفض التكاليف، مثل تطوير سلالات خلايا أكثر كفاءة أو استكشاف بدائل أرخص لأوساط النمو.
تُعدّ مسألة قبول المستهلك أيضاً عنصراً حيوياً. قد يحتاج الناس إلى وقت للتكيف مع فكرة تناول لحوم منتجة في المختبر. يلعب التعليم والتوعية دوراً مهماً في بناء الثقة وطمأنة المستهلكين بشأن سلامة وجودة هذه المنتجات. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر موافقات تنظيمية من الهيئات المعنية بالأغذية في مختلف البلدان.
تتوقع العديد من الشركات أن تكون منتجاتها متاحة تجارياً في غضون الخمس إلى العشر سنوات القادمة. الخطوات التالية تتضمن زيادة حجم الإنتاج، وتحسين المذاق والقوام، والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة. يبقى البحث والتطوير المستمر هو المفتاح للتغلب على العقبات المتبقية وتحقيق الإمكانات الكاملة للحوم المستزرعة.
