يمضي الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة نحو براعة مخيفة في مجال التنبؤ، متجاوزاً في بعض الأحيان حتى نخبة المتنبئين البشريين. فبعد أن كان الإنسان يتساءل عن المستقبل بتوجيهات المنجمين، أصبح اليوم يعتمد على نماذج كمية متطورة، تتنافس فيها برامج الذكاء الاصطناعي مع كبار الخبراء في ساحات متخصصة، بل وتتنبأ بأحداث عالمية ببراعة لافتة.

تُظهر مسابقات التنبؤ، التي تشهد إقبالاً متزايداً على منصات مثل “بولي ماركت” و “كالشي”، قدرة هذه الأدوات الرقمية على تحليل بيانات معقدة وتقديم توقعات دقيقة بشأن أحداث مختلفة. وعلى الرغم من بدايات متواضعة، تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي مؤخراً من احتلال مراكز متقدمة، بل وتفوق على متوسط توقعات الخبراء البشريين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التنبؤات ودور الإنسان فيها.

الذكاء الاصطناعي: منافس جديد في ساحات التنبؤ

تستضيف منصة “ميتاكولوس” Metaculus بانتظام بطولات للتنبؤ، تجذب نخبة من المتنبئين البشريين. وفي عام 2025، شاركت شركة “مانتيك” Mantic الناشئة، ومقرها لندن، بمحركها للتنبؤات المعتمد على الذكاء الاصطناعي. طُلب من البرنامج، كسائر المشاركين، الإجابة على 60 سؤالاً يتطلب تحديد احتمالات نتائج معينة، تتراوح بين التغيرات الجيوسياسية، والنتائج الرياضية، والإيرادات الاقتصادية، وصولاً إلى توقعات الطقس.

وبعد تقييم دقيق، حقق محرك “مانتيك” المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك في بطولة “كأس الصيف”، وهو ما اعتبره الرئيس التنفيذي للشركة، توبي شيفلين، “اختراقاً غير متوقع”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي بطولة “كأس ميتاكولوس الخريفي”، تقدم البرنامج ليحتل المركز الرابع، متفوقاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين، وهو إنجاز يعتبر سابقة في مثل هذه المسابقات.

آلية عمل محركات التنبؤ بالذكاء الاصطناعي

يعتمد محرك “مانتيك” على نهج “متعدد النماذج”، حيث تجمع مجموعة من نماذج اللغة الكبيرة التي تم تدريبها على مهام مختلفة. قد يتخصص أحد النماذج في تحليل بيانات الانتخابات، بينما يتولى آخر تحليل المؤشرات الاقتصادية أو إيرادات شباك التذاكر، بناءً على طبيعة السؤال المطروح. تعمل هذه النماذج بشكل متكامل للوصول إلى التنبؤ النهائي، مما يعكس قدرة الأنظمة على التعلم والتكيف.

بالإضافة إلى ذلك، تطور خدمة مرجعية لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكل مستمر. تطرح هذه الخدمة أسئلة يومية على نماذج الدردشة الرئيسية، وتقارن دقتها باستمرار مع النتائج الفعلية. وتشير التقييمات إلى أن بعض النماذج، مثل “تشات جي بي تي” ChatGPT، تميل إلى التحفظ المفرط، بينما تتفوق نماذج أخرى مثل “غروك” Grok و”جيميناي” Gemini في تقديم توقعات أكثر دقة.

كما تم تصميم نماذج تنبؤية متخصصة لمجالات محددة، مثل تحليل سلوك شخصيات سياسية معينة. وقد أثبتت هذه النماذج المتخصصة تفوقها على نماذج الذكاء الاصطناعي العامة في التنبؤ بمسار قرارات وسلوكيات معقدة، بعد أن تم تدريبها على بيانات مكثفة ومقارنة نتائجها بأفعال واقعية.

مستقبل التنبؤ: هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي؟

يشير الخبراء إلى أن عام 2026 قد يكون حاسماً في مسار تطور الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ. ففي مسابقة “كأس ميتاكولوس الربيعي” لعام 2026، قدمت “مانتيك” أحدث محركاتها، والتي طُلب منها تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها مرشح معين، والتنبؤ باحتمالية تعرض إيران لهجوم. ستُحسم هذه الأسئلة بحلول مايو 2026، ومن الممكن أن يحقق الذكاء الاصطناعي لأول مرة ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى.

يُبدي خبراء التنبؤ البشريون تقبلاً لهذا التطور، مشيرين إلى أن الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرات استدلال ممتازة، ويفتقر إلى التحيزات البشرية، ويمكنه الوصول إلى الأخبار لحظة وقوعها. وقد ازداد تقدير الخبراء لاحتمالية تفوق الذكاء الاصطناعي على الفرق البشرية المتميزة في مجال التنبؤ، حيث يعتقدون الآن أن هناك فرصة بنسبة 95% لحدوث ذلك بحلول عام 2030.

وما زال هناك تساؤلات حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم السياقات المعقدة، وتفسير الأحداث غير المتوقعة، ومدى إمكانية استخدامه بشكل أخلاقي وعادل في ظل قدراته التنبؤية المتزايدة. ويُترقب ما إذا كانت هذه التقنية ستتحول إلى أداة مساعدة قيمة للبشر، أم أنها ستشكل تحدياً جديداً لسلطة التنبؤ البشري.

شاركها.