يُحذّر خبراء صحة الأسنان من أن روتيناً بسيطاً للعناية بالفم قد يلعب دوراً محورياً في تقليل خطر الإصابة بالخرف. وتشير أبحاث متزايدة إلى ترابط وثيق بين صحة الفم والصحة العامة، حيث يمكن أن يؤثر الاهتمام بنظافة الأسنان على وظائف الدماغ وصحة الجسم بشكل عام.
في مؤتمر سنوي عُقد مؤخراً، استعرض باحثون من جامعات طبية مرموقة أدلة علمية قوية تربط بين صحة الفم وانخفاض خطر الإصابة بحالات مرضية خطيرة، بما في ذلك مرض الزهايمر والتهاب المفاصل الروماتويدي. وقد وصف الخبراء الفم بأنه “بوابة الصحة العامة”، مؤكدين على أن العناية به لم تعد أمراً منفصلاً عن صحة الجسم الكلية.
تأثيرات العناية بالأسنان على الصحة العامة
أوضح المشاركون أن هناك اعتقاداً متزايداً بأن الحفاظ على صحة الفم يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأكثر من 50 حالة مرضية جهازية. وأشاروا إلى أن الأبحاث الحديثة تظهر أن الأشخاص الذين يلتزمون بنظافة أسنانهم بانتظام، ويخضعون لفحوصات دورية مع أطباء الأسنان، يتمتعون باستجابات معرفية أفضل، مقارنة بمن يهملون هذه العناية.
ويركز جزء كبير من هذه الأبحاث على التهاب دواعم السن، وهو مرض شديد في اللثة يمكن أن يتفاقم مع التقدم في العمر، ويؤثر سلباً على العظام والأنسجة الداعمة للأسنان. هذا الالتهاب المزمن يؤدي إلى عواقب وخيمة، حيث يمكن أن يؤثر على استجابات الجهاز المناعي ويزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والخرف.
وتؤكد دراسة نُشرت في عام 2024 على أن صحة الفم يجب أن تُدمج كجزء أساسي من منظومة الرعاية الصحية العامة، وأنها عامل مهم للشيخوخة الصحية. وقد أشارت الدراسة إلى أن مشاكل صحة الفم قد تكون عوامل خطر للهشاشة البدنية أو الإعاقة الوظيفية، مما يبرز أهمية تعزيز الوعي بدور الفم في الرفاهية العامة وطول العمر.
كما وجدت أبحاث إضافية، نُشرت في مجلة “Neurology” عام 2023، أن الأفراد الذين يمتلكون عادات جيدة للعناية بالأسنان يتمتعون بذاكرة أفضل. وعلى النقيض من ذلك، ارتبطت أمراض اللثة وفقدان الأسنان بانخفاض حجم المادة الرمادية في الدماغ وتدهور الصحة العقلية.
روتين بسيط لتقليل مخاطر الأمراض
يؤكد العديد من أطباء الأسنان أن تنظيف الأسنان بشكل متكرر، يصل لثلاث مرات يومياً، له فوائد جمة تتجاوز مجرد صحة الفم. فهذا الروتين يساعد في السيطرة على الغشاء الحيوي للبكتيريا المسببة لأمراض اللثة والالتهاب المزمن. وأشاروا إلى أن الالتهاب في الفم يمكن أن ينتشر ويؤثر على صحة القلب والأوعية الدموية، ووظائف الأيض، وتوازن المناعة.
ويساهم إزالة اللويحات السنية بشكل مستمر على مدار اليوم في تقليل محفزات الالتهاب في الجسم. وعلى المدى الطويل، يمكن لخفض هذا العبء الالتهابي أن يسهم في شيخوخة أكثر صحة وتقليل خطر الأمراض الجهازية. فالعادات اليومية البسيطة والمنضبطة غالباً ما تكون لها أكبر الأثر على المدى الطويل، وفقاً لخبراء.
وبينما لا يُعد الاهتمام بصحة الفم “ضماناً مؤكداً” للوقاية من الخرف، إلا أنه يُنظر إليه كإحدى الطرق الفعالة لتقليل عوامل الخطر القابلة للتعديل. إن الالتزام بتنظيف الأسنان بانتظام، واستخدام خيط الأسنان، وإجراء فحوصات دورية عند طبيب الأسنان، بالإضافة إلى معالجة مشاكل مثل صرير الأسنان أو توتر الفك، كلها خطوات تساهم بشكل كبير في خفض الالتهاب ومنع الأضرار الصحية طويلة الأمد.
يبقى مجال البحث مستمراً لاستكشاف آليات الارتباط الدقيقة بين صحة الفم والأمراض العصبية. ومع ذلك، فإن الإرشادات الحالية تدعم بقوة أن الروتين اليومي للعناية بالأسنان يمثل استثماراً قيماً في الصحة العامة والوقاية من الأمراض واسعة النطاق.
