«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

باريس وبرلين على خلاف: محرك الاتحاد الأوروبي يتعثر بسبب الخلافات الفرنسية الألمانية

شكّلت الآمال المعلقة على المستشار الألماني الجديد فريدريتش ميرتس، لحظة توليه منصبه في مايو الماضي، محاولة فرنسية لإعادة إحياء العلاقة الثنائية مع ألمانيا، والتي تُعتبر صمام الأمان لدفع عجلة الاتحاد الأوروبي. لكن بعد عام على توليه السلطة، تبدو هذه الآمال في تراجع، مع تزايد الخلافات بين باريس وبرلين، مما يلقي بظلاله على مستقبل الاتحاد.

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يراهن على أن المستشار ميرتس، المنتمي للحزب الديموقراطي المسيحي، سيكون أكثر تجاوباً من سلفه أولاف شولتس. فقد سعى ماكرون إلى تعزيز العلاقات الفرنسية-الألمانية لدعم المشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، مثل طائرة الجيل السادس ودبابة المستقبل، بالإضافة إلى تحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا.

خيبة أمل فرنسية من أداء ميرتس

على الرغم من التأكيدات المتبادلة على أهمية التعاون الفرنسي-الألماني، مثلما قال ميرتس في زيارته الأولى لفرنسا: «لن نستطيع مواجهة التحديات إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً»، وماكرون في برلين: «واجبنا أن ننجح معاً»، إلا أن الأداء الفعلي لم يرتقِ إلى مستوى التوقعات.

ويُشير التاريخ إلى نجاح قادة فرنسيين وألمان سابقين في بناء علاقات استثنائية، مثل ديغول وأديناور، وجيسكار ديستان وشميت، وميتران وكول. لكن العلاقة الحالية بين ماكرون وميرتس يكتنفها البرود، خاصة وأن كلاهما يعاني من تراجع شعبيته في بلديه، وفشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف.

ملفات خلافية بين باريس وبرلين

تجلت الخلافات بين البلدين في عدة ملفات رئيسية. أولاً، تمويل أوكرانيا، حيث عارض ميرتس خطة ماكرون لاستخدام الأموال الروسية المجمدة، مما اضطر الاتحاد الأوروبي إلى خطة بديلة قائمة على الاقتراض. ثانياً، معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور»، حيث تمسك كل طرف بمصالحه؛ ماكرون لحماية المزارعين الفرنسيين، وميرتس لتغطية مصالح صناعة السيارات الألمانية.

علاوة على ذلك، تختلف برلين وباريس حول السياسات الاقتصادية؛ حيث تنتقد ألمانيا السياسة الفرنسية المتساهلة تجاه المديونية، التي تتجاوز المعايير الأوروبية بكثير. كما يبدو الخلاف جلياً في مشاريع الدفاع المشتركة، مثل طائرة القتال المستقبلية ودبابة المستقبل، حيث تتنافس الشركات الفرنسية والألمانية على قيادة هذه المشاريع.

مستقبل التعاون العسكري والطاقة

يشكل مشروع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس، الذي أُطلق عام 2017، محور خلاف جدي، حيث تتباين وجهات النظر حول تحديد الاحتياجات العسكرية والصناعية، وتوزيع الأدوار بين شركتي «داسو للطيران» و«إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية». ويشبه هذا الخلاف ما يحدث بشأن دبابة المستقبل، حيث تتنافس شركتا «رينميتال» و«نكستر».

تثير العلاقة مع حلف الناتو خلافات أخرى؛ فألمانيا تميل للالتصاق بالحلف، بينما تسعى فرنسا إلى تعزيز الدفاع الأوروبي المستقل. وتُضاف إلى ذلك رؤى متباينة حول مستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية، بينما تفضل برلين الطاقة المتجددة. كما تقلق باريس من تقارب برلين مع روما على حساب تعزيز الثنائي الفرنسي-الألماني.

ما الخطوة التالية؟

يبقى التحدي الأكبر هو تجاوز هذه الخلافات للحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي وقدرته على مواجهة التحديات العالمية. وستكون الأشهر القادمة حاسمة لرصد ما إذا كانت باريس وبرلين ستتمكنان من إعادة إحياء «محرك» الاتحاد، أم أن الخلافات ستؤدي إلى مزيد من التصدع.

شاركها.
Exit mobile version