ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

في تطور مثير للجدل، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بخفض أو سحب قوات أمريكية من ألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، مما أحدث ارتباكاً وصدمة داخل البنتاغون. يأتي هذا التهديد في وقت تتشابك فيه التوترات الإقليمية والدولية، ويُنذر بتغييرات استراتيجية محتملة في الوجود العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية.

وردّاً على مواقف أوروبية متحفظة أو رافضة تجاه سياسات واشنطن، وخاصة فيما يتعلق بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، فتح ترمب جبهة جديدة قد تضعف حلف شمال الأطلسي (الناتو). وذكرت صحيفة “بوليتيكو” أن تهديد ترمب بسحب القوات من ألمانيا كان غير متوقع داخل وزارة الدفاع الأمريكية، ولم تكن هناك خطط سابقة لمثل هذه الانسحابات، خصوصاً وأنها تتعارض مع مراجعات استراتيجية أمريكية لم توصِ بذلك.

اتهامات لأوروبا ومواقف متباينة

قال ترمب إن سحب القوات من إسبانيا وإيطاليا “على الأرجح” سيحدث، متهماً روما بأنها “لم تكن مفيدة لنا”، ووصف سلوك مدريد بأنه “فظيع تماماً”. وتأتي هذه التصريحات كرد فعل محتمل على رفض البلدين السماح لطائرات عسكرية أمريكية بالمرور عبر قواعدهما للمشاركة في العمليات المتعلقة بإيران. كما سبقت هذه التصريحات تهديدات مماثلة لألمانيا، على خلفية انتقادات صدرت عن شخصيات سياسية ألمانية حول الأداء الأمريكي في الشرق الأوسط.

من منظور بعض المراقبين الأوروبيين، يبدو أن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل الناتو كاختبار مباشر للولاء. فبينما تسعى إسبانيا إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية مستقلة، بدأت إيطاليا أيضاً في اتخاذ مسافة عن سياسات ترمب. أما ألمانيا، فرغم توفيرها قاعدة رامشتاين لتنسيق عمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الانتقادات.

صدمة وارتباك في البنتاغون

أكدت تقارير أن منشور ترمب بشأن ألمانيا كان مفاجئاً لكثيرين داخل البنتاغون، حيث لم تكن هناك خطط سابقة لخفض القوات. وقال مسؤولون دفاعيون إن الوزارة “لم تكن تتوقع ذلك”. ومع ذلك، تُؤخذ تصريحات ترمب على محمل الجد، بالنظر إلى جديته في ولايته الأولى عندما أمر بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، وإن لم يتم التنفيذ بالكامل.

وتُشكل تكلفة تنفيذ أي انسحاب كبير تحدياً لوجستياً واقتصادياً ضخماً. فألمانيا تستضيف ما بين 35 إلى 40 ألف جندي أمريكي، وتوفر بنية تحتية للقواعد وقوى عاملة محلية. كما تضم مقرات قيادية رئيسية للقيادة الأوروبية والأفريقية، بالإضافة إلى أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة. وقد يصل حجم التكاليف المتعلقة بنقل القوات وإنشاء بنية تحتية جديدة في وجهات محتملة مثل بولندا إلى مبالغ ضخمة.

تهديد يطال المصالح الأمريكية

على الرغم من أن التهديد يبدو موجهاً إلى الحلفاء الأوروبيين، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أنه قد يضر بالمصالح الأمريكية نفسها. فالوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لا يُعتبر خدمة مجانية، بل أصل استراتيجي يوسع قدرة الولايات المتحدة على الحركة والردع والعمليات. فالقواعد هناك تُستخدم كمنصات لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مرافق حيوية للقوات والناتو.

ويرى مسؤولون ألمان أن سياسة ترمب القائمة على “التهديدات الفجة” قد وصلت إلى حدودها، وأن انسحاب القوات الأمريكية سيضعف الولايات المتحدة. ويعكس هذا تحولاً في المزاج الأوروبي، حيث ترى العواصم أن أمنها الجماعي بات يُستخدم كورقة ضغط سياسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من التهديدات الروسية المستقبلية.

يزداد الأمر تعقيداً كون هذه التهديدات تأتي بعد مكالمة مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي يسعى لتقليص وجود الناتو في أوروبا، وتزامناً مع مباحثات ألمانية حول استراتيجية الدفاع الجديدة.

قيود الكونغرس ومستقبل الوجود العسكري

على الرغم من تصريحات ترمب، فإن الطريق أمام انسحاب سريع قد لا يكون مفتوحاً. يمنع قانون الدفاع الأمريكي البنتاغون من خفض عدد القوات في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً دون تقييم الأخطار والمصالح الأمنية الأمريكية، مما يعطي الكونغرس دوراً مهماً في كبح أي قرار متسرع.

وتُظهر ردود الفعل الأولية من أعضاء الكونغرس، حتى من الجمهوريين، الحذر. فبينما يؤكد البعض على الأهمية الاستراتيجية لقاعدة رامشتاين، يرى آخرون أن تصريحات الرئيس مرتبطة بردود فعل معينة، وأن الأهم هو “الأفعال” لا التصريحات.

تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت القوات الأمريكية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم ستتحول إلى أداة مقايضة سياسية. إن طرح هذا السؤال بحد ذاته يضعف صورة الناتو، ويمنح روسيا وإيران مادة دعائية، ويفتح نقاشاً داخلياً في واشنطن حول ما إذا كان هذا التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، أم مقامرة قد تضر بالقوة الأمريكية.

شاركها.
Exit mobile version