وجهت المحكمة العليا الأمريكية ضربة قوية لسياسات الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية، حيث قضت الجمعة بأن ترامب تجاوز صلاحياته الدستورية بفرضه رسوماً جمركية على مجموعة واسعة من واردات الدول المختلفة. هذا القرار، الذي جاء بأغلبية واضحة، يحد من قدرة الرئيس على استخدام الرسوم الجمركية كأداة رئيسية في فرض أجندته التجارية، مما قد يعيق استراتيجيات التفاوض المستقبلية للإدارة.
تُعتبر هذه الرسوم الجمركية، التي وصفها ترامب بأنها “كلمته المفضلة في القاموس”، حجر الزاوية في سياسته الاقتصادية، بهدف إعادة المصانع إلى الولايات المتحدة وخلق فرص عمل. إلا أن المحكمة العليا رأت أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بسلطة فرض الضرائب، بما في ذلك الرسوم الجمركية، وأن السلطة التنفيذية لا تملك جزءاً من هذه الصلاحيات الدستورية. وقد أثار القرار ردود فعل دولية متباينة، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يحلله بعناية، بينما اعتبرت كندا الرسوم “غير مبررة”.
تداعيات قرار المحكمة العليا على الرسوم الجمركية
ركز قرار المحكمة العليا، الذي اتخذ بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، على الرسوم التي فُرضت بموجب قانون صلاحيات الطوارئ. اعتبرت الأغلبية أن الدستور يمنح الكونغرس صلاحية فرض الضرائب بوضوح، وأن واضعي الدستور لم يمنحوا السلطة التنفيذية أي جزء من هذه السلطة. في المقابل، دفعت إدارة ترامب بأن قانوناً يعود لعام 1977 يجيز للرئيس تنظيم الاستيراد في حالات الطوارئ، يسمح له بفرض الرسوم الجمركية. هذا القانون استخدم من قبل رؤساء سابقين لفرض عقوبات، لكن ترامب كان أول رئيس يستخدمه لفرض ضرائب على الواردات.
تشير بيانات فيدرالية إلى أن وزارة الخزانة جمعت أكثر من 133 مليار دولار من ضرائب الاستيراد التي فرضها الرئيس بموجب قانون صلاحيات الطوارئ حتى شهر ديسمبر. هذا المبلغ الضخم يعكس النطاق الواسع للرسوم التي طبقتها الإدارة.
آراء المعارضة والسياق الأوسع
خالف ثلاثة قضاة في المحكمة العليا رأي الأغلبية، معتبرين أن الرسوم المعنية “قانونية بوضوح” بناءً على النص والتاريخ والسوابق القضائية. ولم يتطرق قرار الأغلبية إلى ما إذا كان يحق للشركات استرداد المبالغ التي دفعتها كرسوم جمركية. وقد بدأت شركات متعددة بالفعل برفع دعاوى قضائية للمطالبة باسترداد هذه الرسوم، مما قد يؤدي إلى عملية معقدة وفوضوية.
رغم هذا الحكم، لا يمنع قرار المحكمة ترامب من فرض رسوم جمركية بموجب قوانين أخرى، على الرغم من أن هذه القوانين تفرض قيوداً أكبر. يتوقع مسؤولون في الإدارة الحالية الإبقاء على إطار الرسوم الجمركية استناداً إلى سلطات قانونية بديلة. يأتي هذا الحكم بعد سلسلة من الانتصارات القضائية للإدارة في قضايا تتعلق بتوسيع صلاحياتها التنفيذية.
وصف الرئيس الجمهوري القضية بأنها من الأهم في تاريخ الولايات المتحدة، معتبراً أن أي حكم ضده سيكون ضربة اقتصادية قاسية. ومع ذلك، تجاوزت المعارضة القانونية الانقسام الحزبي، وشملت جماعات ليبرتارية ومؤيدة للأعمال. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الرسوم الجمركية لا تحظى بشعبية واسعة، لا سيما في ظل القلق المتزايد بشأن غلاء تكاليف المعيشة.
“حالة طوارئ” وسياسات سابقة
في أبريل 2025، فرض ترامب رسوماً “على أساس المعاملة بالمثل” على معظم الدول، مبرراً ذلك بمعالجة العجز التجاري الذي أعلنه حالة طوارئ وطنية. وجاء ذلك بعد فرضه رسوماً على كندا والصين والمكسيك لمعالجة قضايا تتعلق بتهريب المخدرات. وقد أعقب ذلك سلسلة من الدعاوى القضائية، من قبل ولايات مدعومة من الحزب الديمقراطي وشركات صغيرة.
جادل الطاعنون بأن قانون صلاحيات الطوارئ لا يذكر الرسوم الجمركية أساساً، وأن استخدام ترامب له لا يستوفي الاختبارات القانونية. وقدر مكتب الميزانية في الكونغرس الأثر الاقتصادي لرسوم ترامب بنحو ثلاثة تريليونات دولار خلال العقد المقبل. تتجه الأنظار الآن إلى تداعيات هذا القرار على المفاوضات التجارية المستقبلية وما إذا كانت الحكومة ستسعى لتطبيق بدائل قانونية لفرض رسوم مشابهة.
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار الآن إلى كيفية تعامل الإدارة مع هذا القرار، وما إذا كانت ستبحث عن مسارات قانونية بديلة لفرض قيود تجارية، بالإضافة إلى النظر في إمكانية استرداد الشركات للمبالغ المدفوعة من الرسوم. كما يبقى السؤال مفتوحاً حول الأثر طويل المدى لهذا الحكم على ميزان القوى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مجال السياسة التجارية.
