يشير مراقبون إلى أن مسار محادثات السلام الروسية الأوكرانية، رغم الإعلانات المتكررة عن “التفاؤل” و”التقدم”، يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة، مما يدفع البعض إلى وصفه بـ”مسرحية سياسية” و”سلام على الورق”. جولات المفاوضات الأخيرة، بما في ذلك تلك التي عقدت في جنيف، انتهت ببيانات دبلوماسية رفيعة المستوى حول “نقاشات جوهرية” و”تقدم ذي معنى”، لكنها لم تسفر عن اختراقات ملموسة في القضايا الأساسية.

محادثات أوكرانيا: “مسرحية سياسية” و”سلام على الورق”

على الرغم من وصف المفاوضات بأنها “صعبة لكن عملية” و”مثمرة”، إلا أن موعد ومكان انعقاد جولات جديدة لا يزالان غير مؤكدين. هذه الفجوة بين اللغة المستخدمة والنتائج الفعلية تدفع المراقبين إلى الاعتقاد بأن الهدف الرئيسي هو تجنب تحميل أي طرف مسؤولية الفشل، خاصة في ظل اقتراب الانتخابات الأميركية وتأثيرها المحتمل على الاهتمام الدولي بالصراع.

تُشير التحليلات إلى أن موسكو وكييف قد تسعيان لتجنب الظهور بمظهر “المعطّل” لتجنب استعداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قد تختلف تكلفة إغضابه لكنها تظل باهظة لكلا الطرفين. تخشى أوكرانيا المزيد من تآكل الدعم الأمريكي، بينما تقلق روسيا من تشديد العقوبات الاقتصادية التي بدأت تظهر على اقتصادها علامات الإنهاك.

صفقات لإبقاء ترامب سعيداً

يبدو أن هناك توافقاً تكتيكياً بين موسكو وكييف لعدم إثارة غضب ترامب، مما يعكس تداخل المسار الحربي مع “سوق الصفقات” الذي تحاول روسيا فتحه مع واشنطن. تشير تقارير إلى محاولات لاختبار مدى قابلية “فك العزلة الاقتصادية” عن روسيا قبل انتهاء الحرب فعلياً، عبر اتفاقيات استثمارية محتملة.

هذه “الصفقات مقابل المناخ السياسي” لا تعني بالضرورة عودة سريعة للشركات الأمريكية إلى روسيا، لكنها تزود موسكو بأداة للتفاوض مع رؤساء أمريكيين يميلون إلى “الصفقات”. من ناحية أخرى، تتزايد الشكوك الأوروبية بأن موسكو تستخدم مسار التفاوض لتخفيف العقوبات وعقد ترتيبات تجارية بدلاً من السعي لإنهاء الحرب سريعًا.

أوروبا تدفع الفاتورة

في ظل تراجع الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، برز دور أوروبا كـ”محرك البقاء” في العام الرابع للحرب. فقد ارتفعت المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية الأوروبية المخصصة لأوكرانيا بشكل كبير، بينما انخفضت المساعدة العسكرية الأمريكية بشكل حاد.

على الرغم من الجهود الأوروبية لسد الفجوة، إلا أن إجمالي المخصصات العسكرية لا يزال أقل من مستويات سابقة، مما يفسر استمرار الشكاوى الأوكرانية بشأن نقص الدفاع الجوي والذخائر. اعتمدت كييف بشكل متزايد على صيغة “الشراء بدل المنح”، حيث يقوم حلفاء ضمن حلف شمال الأطلسي بتمويل مشتريات أسلحة أمريكية لصالح أوكرانيا.

جاء القرار الأوروبي بآلية تمويل ضخمة للسنوات 2026-2027، تشمل قرضًا بقيمة 90 مليار يورو، لتعزيز دور أوروبا في تحديد شروط ما بعد الحرب. ومع أن أوروبا تدفع أكثر، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بأوراق نوعية تجعلها شريكًا حاسمًا. يتزامن ذلك مع سعي الاتحاد الأوروبي لفتح مفاوضات الانضمام مع كييف في أقرب وقت ممكن.

في سياق متصل، تلوح تهديدات مجرية بقطع إمدادات الطاقة عن أوكرانيا إذا استمرت كييف في عرقلة تسليم النفط الروسي، مما يسلط الضوء على الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات دعم أوكرانيا.

إشارات تعب لاقتصاد روسيا

على الجانب الروسي، تظهر الاقتصاد علامات تعب، مع تسارع إغلاق المطاعم والمقاهي وتباطؤ الاستهلاك. يعكس هذا الوضع حرص الكرملين على فتح “نوافذ اقتصادية” مع الغرب، حيث يمثل أي تخفيف للعقوبات أو قنوات تجارية مكسبًا استراتيجيًا. في المقابل، تدرك كييف أن أي وقف لإطلاق النار دون ضمانات قوية قد يكون مجرد استراحة قصيرة، بينما ترى أوروبا أن استمرار الحرب، ولو بوتيرة أبطأ، هو السيناريو المرجح.

شاركها.