«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين
يسود الارتباك المشهد الأوروبي، حيث تعاني العلاقة المحورية بين فرنسا وألمانيا، التي لطالما شكلت محرك الاتحاد الأوروبي، من خلافات متزايدة. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعلق آمالاً كبيرة على المستشار الألماني الجديد فريدريتش ميرتس، الذي تولى منصبه في مايو من العام الماضي، لإعادة إحياء الديناميكية الثنائية التي تعتبر ضرورية لاستقرار وازدهار الاتحاد. إلا أن مرور عام على توليه المنصب كشف عن تباينات عميقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل القيادة الأوروبية.
كان ماكرون يأمل في أن يكون المستشار ميرتس، المنتمي للحزب الديمقراطي المسيحي، أكثر تجاوبًا من سلفه أولاف شولتس، الذي وصفه بـ«مكعب الجليد». يسعى الرئيس الفرنسي إلى تعزيز العلاقات الفرنسية-الألمانية لدفع عجلة المشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، مثل تصنيع طائرة الجيل السادس ودبابة المستقبل، بالإضافة إلى تحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا. لم تكن آمال ماكرون في محلها، حيث واجه خيبة أمل من أداء ميرتس حتى الآن.
ماكرون، الذي قضى سنوات ثمانٍ في قصر الإليزيه، يتمتع بخبرة واسعة في السياسة الدولية، عكس المستشار ميرتس الذي لم يشغل منصباً وزارياً سابقاً. كان الرئيس الفرنسي يراهن على هذه الخبرة لإقناع المستشار الجديد بخططه، لكن الشكوك بدأت تحوم حول قدرة الثنائي على العمل بتناغم.
خيبة فرنسية من أداء ميرتس
بعد مرور عام كامل على توليه المنصب، لم ترق نتائج التعاون بين ماكرون وميرتس إلى مستوى الآمال المعقودة. وعلى الرغم من التأكيد المتكرر من الجانبين على أهمية الشراكة الفرنسية-الألمانية، إلا أن الخلافات تبرز في العديد من الملفات الرئيسية. شدد كلا الزعيمين على ضرورة تماسك البلدين لمواجهة التحديات، لكن التنفيذ الفعلي لا يزال بعيد المنال.
استغل ماكرون كل فرصة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين، مشيراً إلى أن نجاحهما المشترك هو معيار مصداقيتهما. سبق له أن أكد أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. لطالما كانت القيادة الفرنسية-الألمانية تاريخياً سباقة في إيجاد علاقات شخصية وسياسية استثنائية، تعتمد عليها أوروبا في أوقات الأزمات.
ومع اقتراب نهاية ولاية ماكرون، وغرق ميرتس في عامه الأول، يواجه كلاهما تحديات شعبية كبيرة في بلديهما. فقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً في شعبية ماكرون، بينما تواجه حكومة ميرتس انتقادات واسعة. يزداد الطين بلة فشل كلا الزعيمين في كبح جماح صعود اليمين المتطرف في بلديهما، مما يهدد الاستقرار السياسي.
الملفات الخلافية بين باريس وبرلين
شهد العام الماضي خلافات محتدمة بين ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين. الأول تمثل في قرض دعم أوكرانيا البالغ 90 مليار يورو. مارس ماكرون ضغوطاً لاستخدام الأصول الروسية المجمدة، وهو ما تردد فيه ميرتس خوفاً من زعزعة استقرار الأسواق المالية الأوروبية. انتهت هذه الجهود بفشل، مما اضطر الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن حلول بديلة.
تجلت خلافات أخرى في ملف التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور». دافع ماكرون عن مصالح المزارعين الفرنسيين، بينما سعى ميرتس لتعزيز مصالح صناعة السيارات الألمانية. كما تبرز الخلافات الاقتصادية، حيث تنتقد برلين سياسة فرنسا المالية المتساهلة بشأن الديون، والتي تتجاوز المستويات المسموح بها أوروبياً.
يعد مشروع تصنيع طائرات الجيل السادس مثالاً صارخاً على الخلافات الصناعية والدفاعية. لا تزال المفاوضات تراوح مكانها بسبب تباين الرؤى حول تحديد الاحتياجات العسكرية والصناعية، وتوزيع الأدوار بين الشركات الفرنسية والألمانية. وينطبق الأمر نفسه على مشروع دبابة المستقبل، مما يشير إلى تأخر طويل في الإنتاج العسكري المشترك.
تتجاوز الخلافات الملفات المباشرة لتشمل العلاقة مع حلف الأطلسي. تسعى باريس لتعزيز الدفاع الأوروبي المشترك، بينما تميل برلين إلى الالتصاق بالحلف. وعلى الرغم من التقارب المحتمل بشأن الأطلسي بسبب التباعد مع الإدارة الأمريكية، لا تزال هناك خلافات حول مبادرات الدفاع الأوروبي، مثل «مبادرة الدرع الأوروبي» التي لم تنضم إليها فرنسا.
كما تتصادم الرؤى حول مستقبل الطاقة، حيث تركز فرنسا على الطاقة النووية، بينما تريد ألمانيا تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. وتنظر باريس بقلق إلى تعزيز برلين للتعاون مع روما على حساب باريس. ورغم هذه الخلافات، يبقى البلدان متفقين على دعم أوكرانيا ورفض العدوان الروسي.
ما القادم؟ يبقى التحدي الأكبر هو تجاوز الخلافات الداخلية وإعادة بناء الثقة بين باريس وبرلين، وخصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات الأوروبية، والتي قد تشهد مزيداً من التحولات في المشهد السياسي.
