حربا إيران وأوكرانيا في فلسفة الحرب اللاتماثليّة

تُعدّ المفاهيم العسكرية والفلسفية للحرب، وخاصة مفهوم “الحرب اللاتماثليّة”، ذات أهمية متزايدة في فهم الصراعات المعاصرة. يأتي هذا التحليل في سياق الحرب بين إيران وأوكرانيا، حيث تتجلى هذه المفاهيم بوضوح في استراتيجيات وأساليب القتال المختلفة، مما يعكس تطور طبيعة المعارك في القرن الحادي والعشرين.

تُعرّف الحرب اللاتماثليّة بأنها استخدام طرف لأساليب واستراتيجيات تختلف جوهرياً عن تلك التي يستخدمها خصمه، غالباً ما يستغل فيها الطرف الأضعف نقاط ضعف الطرف الأقوى. هذا المفهوم، الذي يعود جذوره إلى تحليل الصراعات القديمة، يكتسب بعداً جديداً مع التطورات التكنولوجية وتغير طبيعة الحروب.

فلسفة الحرب الكلاسيكية واللاتماثل

يشرح المقال كيف يشكل كارل فون كلوزفيتز علامة فارقة في الفكر العسكري، واصفًا الحرب بأنها “السياسة، لكن بوسائل أخرى”، وهي عملية “حرب إرادات” معقدة سياسياً واجتماعياً. ويشير إلى صعوبة دمج التخطيط النظري مع الواقع العملي، مستشهداً بقول هلموت فون مولتكه الأكبر: “إن أفضل مخططات الحرب لا تصمد بعد الطلقة الأولى”. كما يورد قول غاستون بوتول بأن الحرب هي “أروع الظواهر الاجتماعية”. ومع ذلك، يؤكد على أن الحروب تتوقف لتقييم النجاح واتخاذ قرارات بشأن الاستراتيجيات، مشيراً إلى قول ونستون تشرشل بأن الحرب “عبارة عن سلسلة من الكوارث التي تؤدي إلى نتيجة غير متوقعة”.

مفهوم اللاتماثل وتطبيقاته

ويتناول المقال مفهوم “اللاتماثل” (Asymmetry) بشكل أوسع، مؤكداً أنه سمة أساسية في الحياة لا تقتصر على المجال العسكري. يوضح كيف أن استغلال نقاط الضعف لدى الآخر هو جوهر اللاتماثل. ويستعرض قصة داود وجالوت كمثال كلاسيكي للحرب اللاتماثليّة، لكنه يحللها من منظور عسكري وسياسي ونفسي، مشيراً إلى أن الأهم ليس ما نملكه، بل كيف نستخدمه.

ويفنّد المقال اعتقاداً شائعاً بأن اللاتماثل هو سلاح الضعيف فقط، متسائلاً عما إذا كانت التكنولوجيا المتقدمة لا تخلق بحد ذاتها وضعاً لا تماثلياً لصالح الأقوى. ويستشهد بحادثة “عملية البيجر” الإسرائيلية ضد حزب الله، واختراق إسرائيل لمحيط المرشد الإيراني، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، كأمثلة على خلق توازن قوى لا تماثلي.

يشرح المقال أن اللاتماثل يرتكز على قدرة أحد الطرفين على رسم مسرح الصراع بطريقة تخدم ما يملك، مع منع الخصم من استغلال أفضل ما لديه. ويوضح أن الخروج من وضع اللاتماثل يتطلب التأقلم وإيجاد واقع جديد.

أوجه اللاتماثل في الصراعات الحديثة

يتطرق المقال إلى الحرب في القرن الحادي والعشرين، مؤكداً أنها تُخاض في وسائط متعددة: البر، البحر، الجو، الفضاء، السايبر، الإعلام، والإدراك. ويرى أن القوة المسيطرة في معظم هذه الوسائط هي التي تميل كفتها.

ويوضح كيف تخلق الجغرافيا وضعاً لا تماثلياً، مستعرضاً حالة الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. حيث تمنح مساحة إيران الواسعة أفضلية في نشر القوات، لكنها تجعلها عرضة للهجمات. في المقابل، تسمح مساحة إسرائيل الصغيرة بكثافة الأهداف الاستراتيجية، لكنها تمنحها أفضلية في الحماية الجوية. ويشير إلى أن الثقافة الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الجغرافيا، التاريخ، الأيديولوجيا، وعدم التكافؤ، بهدف البقاء وإطالة أمد الصراع.

ويستعرض المقال حادثة تاريخية بين داريوش الأول ملك الفرس وزعيم قبائل السكيثيون، حيث اعتمد السكيثيون سياسة الأرض المحروقة والتجنب، مؤكدين أن حربهم تقتصر على الدفاع عن قبور الأجداد. ويرى المقال أن التهرب من المعركة واستغلال المساحة يُعد تجسيداً للاتماثل.

كما يشير إلى استخدام روسيا لعمقها الجغرافي ضد نابليون وهتلر، وإلى خلقها لتوازن لا تماثلي مع الصين عبر الردع النووي. ويستعرض استراتيجية الرد المرن التي اتبعتها الولايات المتحدة في عهد كينيدي للتأقلم مع اللاتماثلية السوفياتية.

اللاتماثل في المواجهة بين السيف والدرع

ويناقش المقال مفهوم “السيف والدرع” في الحروب، حيث يمثل السيف السلاح الجديد الذي يقلب الموازين، ويمثل الدرع السلاح المضاد الذي يعيد التوازن. ويشير إلى أن هذه المفاهيم تجلت بوضوح في الحرب الأوكرانية، حيث استطاعت أوكرانيا تدمير قطع بحرية روسية باستخدام طائرات مسيرة مائية، وردت روسيا بتحييد أسطولها.

ويذهب المقال إلى أن الحرب الروسية على أوكرانيا، بتضمينها للطائرات المسيرة بكافة أنواعها، قد غيرت طبيعة الحروب المستقبلية، ممهدة الطريق لدخول الذكاء الاصطناعي. ويرى أن الذكاء الاصطناعي سيشكل “السيف” القاطع مستقبلاً، بانتظار ظهور “الدرع” المقابل، وأن اللاتماثل سيستمر ما دامت الطبيعة البشرية قائمة.

التحديات الاقتصادية والإنتاجية في الحروب الحديثة

وفيما يتعلق بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، يسلط المقال الضوء على الاستهلاك الهائل للذخائر باهظة الثمن من قبل الولايات المتحدة، مقابل ذخيرتها الإيرانية الرخيصة سريعة التعويض. ويخلص إلى أن كلفة الدفاع مقابل الهجوم، واعتماد مبدأ “Swarming” بالمسيّرات، يستنزف المنظومات الدفاعية ويضع أعباءً اقتصادية خطيرة على القوى الأقوى.

ويؤكد المقال أن الحرب الأوكرانية أظهرت أن الغرب لم يكن مستعداً لحرب طويلة، حيث خاضت مزيجاً من حرب الخنادق، وحرب المناورة، والحرب التكنولوجية. ويبرز كثافة استهلاك الذخيرة، خاصة قذائف المدفعية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك القاعدة الصناعية الكافية لتأمين ذخائر الحرب حتى ضد خصم إقليمي كإيران، فما بالك بحروب متعددة.

مستقبل الحروب والتساؤلات الإستراتيجية

ويختتم المقال بالإشارة إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت محدودية القوة العسكرية الأمريكية، وأن المنافسين يراقبون هذه الدروس لرسم استراتيجيات ضدها، خاصة في المجال البحري. ويطرح تساؤلات حول كيفية تصنيع الأسلحة دون مواد “المعادن النادرة” التي تسيطر عليها الصين، وشكل الحرب البحرية الأمريكية-الصينية، خاصة وأن الصين لم تخض حرباً منذ عام 1979.

ماذا بعد؟

تبقى التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية، بالإضافة إلى قدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد للذخائر والمواد الاستراتيجية، عوامل حاسمة في تشكيل مستقبل الصراعات. كما أن قدرة الدول على التكيف مع استراتيجيات اللاتماثل التي يتبعها خصومها ستحدد مسار الحروب القادمة.

شاركها.
Exit mobile version