في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد. أصبحت الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة تحديًا كبيرًا، حيث تتحول شبكات التجارة والتمويل المتقاطعة إلى نقاط ضعف قاتلة، مما يهدد باندلاع أزمة اقتصادية عالمية أوسع نطاقًا.

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة: شبكات مترابطة تحت التهديد

في عالمٍ اليوم، تتحول آليات الترابط والعولمة التي كانت يُنظر إليها سابقًا كمحركات للسلام والازدهار، إلى أدوات تزيد من تفاقم الأزمات في أوقات الصراع. فالاعتماد المتبادل العالي، والذي بُني على أسس الكفاءة، يفتقر إلى المرونة الكافية لامتصاص الصدمات الجيوسياسية. يؤدي أي اضطراب إقليمي، سواء تمثل في حرب أو جائحة أو كارثة طبيعية، إلى تضرر سلاسل التوريد الحيوية، محولًا الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يغذي خطر الركود التضخمي.

تُظهر التداعيات الاقتصادية الضخمة لجائحة كوفيد-19، التي ضربت العالم قبل ست سنوات، كيف يمكن لحدث صحي عالمي أن يشل حركة الطلب، ويزعزع سلاسل التوريد، ويؤدي إلى انكماش اقتصادي عالمي. لقد شهدنا حينها انخفاضًا مذهلاً في أسعار النفط نظرًا لتوقف الإنتاج العالمي وتوقف حركة الأفراد.

أخطار الصراع الإقليمي على التجارة العالمية

في هذا السياق، تبرز الحرب الإقليمية والآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة. الصراع يحول سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف، وقد جرّ هذا الصراع إلى أزمة عالمية في مجالات الطاقة والأمن الغذائي.

مع استمرار الحرب الإقليمية، بدأت الأسواق المالية تدرك احتمال تحول الصراع سريعًا إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. العوامل الجيوسياسية المتفجرة تؤثر على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، أبرزها التضخم وسلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الماسة لمصادر الطاقة.

كلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على الاقتصادات العالمية الكبرى. الشرق الأوسط ليس فقط مصدرًا للطاقة وفرصًا استثمارية، بل يضم أيضًا بعضًا من أهم سلاسل التوريد والمواني العالمية.

تضطلع المواني والممرات البحرية بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية. مضيق هرمز، أحد أهم الممرات في الشرق الأوسط، يمر عبره نحو خُمس نفط العالم وغازه. أي إغلاق أو حتى “تضييق” للمرور في المضيق لا يؤثر على المنطقة فحسب، بل يمتد التأثير ليشمل كل دول العالم.

إذا أُغلق باب المندب مجددًا بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب. هذا سيعني حتمًا دفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

في نظرة استعادية، شهدنا حالات نقص حاد في إمدادات النفط سابقًا، أبرزها حرب أكتوبر 1973، والثورة الإيرانية 1979، والحرب العراقية-الإيرانية 1980، وحرب الخليج 1990. لكن الاختلاف الرئيسي اليوم يكمن في حجم التأثير. لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في الأزمات السابقة نحو 6%، بينما يواجه العالم حاليًا نقصًا يقارب 20%، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الحالي هو الأخطر، فحصار الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بآثارها العالمية، ويحول الصراع من إقليمي إلى مشكلة عالمية. باب المندب، الذي يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، هو أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا في العالم، ويعبره عدد هائل من ناقلات النفط وسفن الشحن.

من أبرز المستفيدين؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يُرجح أن تصبح موسكو هي المستفيد الأبرز من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. التحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين، الذي سيجني ثمارًا قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة.

مع ارتفاع أسعار النفط، ستتدفق إيرادات إلى الموازنة الروسية المتعثرة. تأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها في أزمة نفط وغاز حادة، مما قد يخفف حدة موقفها تجاه المحروقات الروسية. يعتمد هذا الأمل على كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وعلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تعيد النظر في الاعتماد المفرط على الإمدادات الأمريكية المكلفة.

وبالتالي، إذا “عادت” أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟ الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هناك مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه.

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن “النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم التحتية”.

يضيف المسؤول الأممي: “يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية”.

شاركها.