كشفت دراسة علمية حديثة أن مرض الشيكونغونيا الاستوائي، المعروف بآلامه المبرحة والمزمنة في المفاصل، أصبح قادراً على الانتقال عبر البعوض في معظم أنحاء أوروبا، نتيجة الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة المرتبط بأزمة المناخ. تشير النتائج إلى أن الظروف المناخية الحالية تسمح بانتقال العدوى لفترات أطول بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، مما يهدد بانتشار المرض على نطاق أوسع في القارة.

وبحسب ما نقلته صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإن الدراسة، التي نُشرت في مجلة «رويال سوسايتي إنترفيس»، تشير إلى أن الحد الأدنى لدرجة الحرارة اللازمة لحدوث العدوى بفيروس الشيكونغونيا عن طريق بعوضة النمر الآسيوي أقل مما كان مقدراً سابقاً. هذا التغير في الظروف يعني أن مناطق جديدة في أوروبا قد تصبح عرضة لانتشار المرض، حتى في فصول الصيف الأقل حرارة.

تغير المناخ يفتح الباب أمام مرض استوائي في أوروبا

تُعدّ الأزمة المناخية، بارتفاعها المتسارع لدرجات الحرارة، السبب الرئيسي وراء هذه التغييرات المقلقة. وأظهرت الدراسة أن الظروف المثلى لانتقال العدوى بفيروس الشيكونغونيا أصبحت متوفرة لأكثر من ستة أشهر في دول جنوب أوروبا مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان. كما أظهرت النتائج أن مناطق مثل جنوب شرق إنجلترا قد تشهد إمكانية لانتقال العدوى لمدة تصل إلى شهرين سنوياً، وهو أمر لم يكن متوقعاً من قبل.

يعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل بيانات من 49 دراسة سابقة، مع التركيز على تفاعل فيروس الشيكونغونيا مع بعوضة النمر الآسيوي. وقد توصلوا إلى أن درجة الحرارة الحرجة لانتقال العدوى تتراوح بين 13 و14 درجة مئوية. هذا الاكتشاف يقلل بشكل كبير من درجة الحرارة المطلوبة لحدوث العدوى مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 16-18 درجة مئوية، مما يفسر سبب توسع نطاق الخطر.

ما هو فيروس شيكونغونيا؟

يعود اكتشاف فيروس الشيكونغونيا إلى عام 1952 في تنزانيا، وكان المرض محصوراً في المناطق الاستوائية، مسجلاً ملايين الإصابات سنوياً. ينتقل هذا الفيروس إلى البشر بشكل أساسي عبر لدغة بعوضة النمر الآسيوي المصابة، ولا ينتشر مباشرة من شخص لآخر.

يتميز مرض الشيكونغونيا بإحداث آلام حادة ومزمنة في المفاصل، قد تؤدي إلى إعاقة شديدة، وتشكل خطراً أكبر على الأطفال الصغار وكبار السن. رغم توفر لقاحات باهظة الثمن، يوصي الخبراء بالوقاية من خلال تجنب لدغات البعوض كأفضل وسيلة للحماية.

شهدت السنوات الأخيرة تسجيل عدد قليل من الحالات في أكثر من عشر دول أوروبية. ومع ذلك، فقد ضرب تفشٍ واسع النطاق يضم مئات الحالات مناطق مثل فرنسا وإيطاليا في عام 2025، مما يؤكد تزايد الخطر.

تقديرات صادمة وتأثير المناخ

صرح سانديب تيغار، المؤلف الرئيسي للدراسة من المركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا (UKCEH)، بأن معدل الاحتباس الحراري في أوروبا يتجاوز المعدل العالمي، وأن انخفاض الحد الأدنى لدرجة الحرارة المطلوبة لانتشار الفيروس هو أمر صادم للغاية. وأوضح تيغار أن امتداد المرض شمالاً أصبح مسألة وقت.

من جانب آخر، أكد الدكتور ستيفن وايت، المشارك في الدراسة، أن الأمراض الاستوائية مثل الشيكونغونيا وحمى الضنك، التي كانت تُعتبر مستبعدة في أوروبا قبل عقدين، أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً. ويعزو ذلك ببساطة إلى انتشار البعوض الغازي وتغير المناخ.

أضاف وايت أن التغيير الذي نشهده سريع ومثير للقلق. فقد شهدت فرنسا وحدها تسجيل أكثر من 800 حالة من الشيكونغونيا في عام 2023، مقارنة بنحو 30 حالة فقط خلال العقد السابق تقريباً.

دعوات للتحرك العاجل

يشدد خبراء الصحة على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية للتصدي لانتشار هذا المرض. وأشارت الدكتورة ديانا روخاس ألفاريز، من منظمة الصحة العالمية، إلى أهمية الدراسة في تسليط الضوء على احتمالية زيادة انتقال العدوى في أوروبا بمرور الوقت.

وذكّرت روخاس ألفاريز بأن حمى الشيكونغونيا يمكن أن تكون مدمرة، حيث يعاني ما يصل إلى 40% من المصابين من التهاب المفاصل أو آلام شديدة تستمر حتى بعد خمس سنوات. ورغم أن المناخ يلعب دوراً محورياً، إلا أن أوروبا لا تزال لديها فرصة لاحتواء انتشار بعوضة النمر.

تتضمن سبل الوقاية الفعالة توعية المجتمع بأهمية إزالة المياه الراكدة، التي تُعدّ بيئة تكاثر للبعوض، بالإضافة إلى ارتداء ملابس طويلة فاتحة اللون واستخدام طارد الحشرات. وتحدث تفشيات المرض في أوروبا غالباً بسبب المسافرين المصابين العائدين من المناطق الاستوائية، وتكاثر البعوض المحلي. وتبدو فصول الشتاء الباردة سابقاً كانت تشكل حاجزاً طبيعياً، لكن الاحتباس الحراري يبدو أنه يغير هذه المعادلة، مما ينذر بتفشيات أكبر مستقبلاً.

شاركها.
Exit mobile version