في قلب الاستعدادات لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026 في شمال إيطاليا، تلعب التغذية دوراً محورياً لا يقل أهمية عن التدريب البدني المكثف. حيث يتجمع نخبة الرياضيين من حول العالم، وتُعدّ معرفة ما ومتى يأكلون جزءاً لا يتجزأ من سعيهم نحو التميز. في هذا السياق، توفر القرية الأولمبية في ميلانو قوائم طعام مصممة بعناية فائقة لتلبية الاحتياجات الغذائية المتنوعة والمتطلبات الثقافية للرياضيين، مما يسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الغذاء والأداء الرياضي.
وتُظهر الأرقام حجم الجهود المبذولة في توفير الغذاء للرياضيين، حيث يتم تحضير ما يقرب من 3 آلاف بيضة و450 كيلوغراماً من المعكرونة يومياً، مقدماً حوالي 3400 وجبة عبر ست منصات طعام. تؤكد هذه التفاصيل على أن التغذية ليست مجرد وقود، بل هي استراتيجية مدروسة تهدف إلى دعم تدريب الرياضيين وتعزيز استشفائهم لضمان تقديم أفضل أداء ممكن في المنافسات.
التغذية: جزء لا يتجزأ من رحلة الرياضيين الأولمبيين
تؤكد كريستين غرافاني، اختصاصية التغذية الرياضية والحساسية الغذائية في جامعة ستانفورد، أن التغذية الفعالة هي شريك أساسي للتدريب البدني، حيث تعزز الأداء الأمثل قدر الإمكان. وبسبب طبيعة احتياجاتهم البدنية المكثفة، يستهلك معظم الرياضيين الأولمبيين كميات طاقة أكبر بكثير من الأفراد العاديين. تاريخياً، سجل رياضيون بارزون استهلاكاً استثنائياً للطاقة، مثل السباح الأميركي مايكل فيلبس الذي ادعى استهلاك 10 آلاف سعرة حرارية يومياً خلال تدريباته الأولمبية، أو العداء الجامايكي يوهان بليك الذي أشار إلى أهمية تناول 16 موزة يومياً للحفاظ على لياقته.
على الرغم من أن الاحتياجات الغذائية للرياضيين الأولمبيين تختلف بشكل كبير عن احتياجات الأفراد ذوي الأنشطة المكتبية، إلا أن هناك مبادئ أساسية في تغذية الرياضيين يمكن للعامة الاستفادة منها. وترى غرافاني أن الجميع يمكنهم “استلهام الأفكار” من عادات الرياضيين الغذائية، مما يشير إلى إمكانية تطبيق بعض هذه الممارسات لتحسين الصحة العامة.
متى نأكل؟ أهمية التوقيت الغذائي
يشدد الدكتور دان بيناردوت، الأستاذ بجامعة إيموري واختصاصي التغذية المعتمد، على أن توقيت تناول الطعام يمكن أن يؤثر بشكل كبير على جودة تدريب الرياضيين، وسرعة تعافيهم، وأدائهم النهائي أثناء المنافسات الرياضية الهامة. ويتذكر بيناردوت تجربته مع فريق الماراثون الأميركي، حيث اكتشف أن بدء اليوم بدون وجبة خفيفة قبل التدريب كان خطأ شائعاً.
ويوضح بيناردوت أن أحد أهم الإجراءات التي يمكن للرياضي اتخاذها صباحاً هو تناول وجبة خفيفة قبل البدء بالتدريب. “تناول شيئاً خفيفاً”، كما يصف، “ليس بالضرورة أن يكون كثيراً، يكفي فقط للحفاظ على مستوى طبيعي لسكر الدم وترطيب الجسم.” هذه النصيحة البسيطة تؤكد على أن الاستجابة لجسدك قبل المجهود البدني يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.
ماذا نأكل؟ اختيار الغذاء المناسب
توصي غرافاني الأفراد العاديين أيضاً بتناول وجبة خفيفة سريعة قبل التمرين، مؤكدة أن نوع هذه الوجبة يلعب دوراً في فعالية التمرين والأداء. وفيما يتعلق بتنوع الأطعمة، يؤكد الخبراء على أهمية تناول تشكيلة واسعة من الأطعمة لدعم الصحة الشاملة.
وجبة خفيفة قبل التمرين
تقترح غرافاني تناول فاكهة قليلة الألياف قبل التمرين، مع إمكانية إضافة كمية صغيرة من البروتين أو الدهون إذا كان هناك وقت كافٍ. “على سبيل المثال، موزة مع القليل من زبدة الفول السوداني ستكون خياراً رائعاً”، كما تذكر.
وجبة خفيفة بعد التمرين
تؤكد غرافاني على أهمية تناول الطعام بعد التمرين للتعافي، وتنصح بمزيج من البروتين والكربوهيدرات، مع تعديل نسبة الكربوهيدرات بناءً على كثافة ومدة التمرين. “يتطلب التمرين الطويل الذي يركز على التحمل كمية أكبر من الكربوهيدرات، بينما يتطلب التمرين الأقصر… كمية أقل”، توضح. وتضيف: “في كلتا الحالتين، العصائر الغنية بمضادات الأكسدة مثل عصير الشمندر أو التوت خيار مثالي بعد التمرين.”
يشير بيناردوت إلى أن عصير الشمندر قد يحسن عملية التمثيل الغذائي للدهون، ويخفف آلام العضلات، ويدعم التعافي بعد التمارين الشاقة. وتمتلك الخصائص المضادة للأكسدة والالتهابات في الشمندر دوراً في تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي المرتبط بآلام العضلات، وتشير دراسات إلى أن مكملات الشمندر قد تسرع التعافي بعد التمرين.
تؤيد جيسيكا أركيت، اختصاصية التغذية المعتمدة في جامعة أوهايو، أن الأطعمة المضادة للالتهابات ضرورية للتعافي بعد التدريبات المكثفة. وتُعدّ فيتامينات أ، ج، هـ، ومعدن السيلينيوم، وأحماض أوميغا 3 الدهنية أساسية، ويمكن الحصول عليها من الفواكه والخضروات الملونة، والمكسرات والبذور، والأسماك الدهنية وبذور الكتان والشيا.
تناول الحديد مع فيتامين سي
يوضح بيناردوت أن امتصاص الحديد من الخضروات يمكن تحسينه بإضافة فيتامين سي، مثل عصير الليمون، الذي يحول الحديد إلى شكل أكثر قابلية للامتصاص. وتوافقه غرافاني، مؤكدة أن أي طعام غني بفيتامين سي، مثل التوت أو البروكلي أو الفلفل الحلو، يساعد على امتصاص الحديد.
تنويع مصادر الغذاء والبروتين
ينصح بيناردوت بتنويع النظام الغذائي قدر الإمكان، وتناول أطعمة مختلفة في أيام مختلفة، واختيار فواكه وخضروات بألوان متنوعة لضمان الحصول على مغذيات نباتية مختلفة. وتشدد غرافاني على أهمية هذا التنوع، مشيرة إلى أنه يوفر فيتامينات ومعادن ومضادات أكسدة مختلفة تدعم التعافي وصحة الأمعاء.
كما يؤكد بيناردوت على أهمية تنويع مصادر البروتين وتناوله على فترات منتظمة، مثل كل ثلاث إلى أربع ساعات، بجرعات تتراوح بين 20 و40 جراماً، لتحسين نمو العضلات وقوتها. وينصح بتجنب الإفراط في تناول البروتين لتفادي الجفاف أو زيادة الوزن غير المرغوب.
