مع دخول عام الأسرة 2026، تتجه الأنظار مجدداً إلى الأسرة بوصفها النواة الأولى في بناء الإنسان، والركيزة الأساسية في استقرار المجتمع وتماسكه، والحرص على استدامتها في وجه التغيرات التي تشهدها أنماط الحياة.
وبين دعوات المختصين والمعنيين المتزايدة لتعزيز دور الأسرة في التنشئة السليمة، والواقع الرقمي وضغوط العصر، يبرز تساؤل محوري داخل كل بيت: كيف نربي أبناءنا اليوم؟ هل نتمسك بأساليب السيطرة والحزم الصارم كما تربينا وتعودنا، أم نعيد صياغة علاقتنا بأبنائنا بلغة الاحتواء والحوار التي تتناسب مع جيل مختلف في وعيه وتحدياته؟
عام الأسرة
ومع إعلان القيادة الرشيدة 2026 عاماً للأسرة، يُنتظر أن يكون محطة لإعادة الاعتبار للأسرة ودورها التربوي، وتستعرض «البيان» في هذا التحقيق قضية التربية بين الاحتواء والسيطرة، مستعرضة آراء مختصين، وتجارب أسر، وأصوات أطفال، للبحث عن نموذج تربوي متوازن يواكب المتغيرات، ويحفظ القيم، ويصنع جيلاً قادراً على مواجهة المستقبل بثقة واستقرار نفسي.
وفي هذا الإطار، يؤكد عدد من الخبراء والمختصين، أن التربية تعدّ قضية وطنية وإنسانية تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والتربوية والثقافية وتلقي بظلالها على هويتنا الوطنية، مشيرين إلى أن تربية الأبناء لم تعد مسألة تقليدية تدار بالأدوات ذاتها التي اعتمدت عليها الأجيال السابقة، منادين بالحوار والاحتواء، والتوازن بوصفه حجر الأساس في بناء الشخصية.
التوازن
وقال الدكتور جاسم العلي، أستاذ مساعد في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، إن الجدل بين السيطرة والاحتواء يجب ألّا يكون صراعاً، بل بحث عن التوازن.
وأشار إلى أن الإسلام قدّم نموذجاً تربوياً متوازناً يقوم على الرحمة والحكمة والحزم المعتدل، مستشهداً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أبنائه وأحفاده، حيث قامت التربية على المحبة قبل التوجيه، وعلى الثقة قبل الأوامر.
وأضاف أن منح الأبناء مساحة من الحرية المنضبطة، بما يتناسب مع مراحلهم العمرية، يسهم في تنمية شعورهم بالمسؤولية، وتعزيز قدرتهم على اتخاذ القرارات، دون غياب الرقابة.
التزام
من جانبها، أوضحت الدكتورة فاطمة الجاسم، مستشار أسري بدبي، أن الاحتواء مفهوم يساء فهمه كثيراً، مؤكدة أنه لا يعني غياب الحزم، بل تفهم المشاعر مع الالتزام بالقواعد.
وذكرت الجاسم مثالاً لطفل كان يرفض أداء واجباته المدرسية، فوجهت والديه إلى اعتماد أسلوب متوازن بين السيطرة القائم على التوبيخ والعقاب، والاحتواء القائم على الفهم والحوار، من أجل حفظ الانضباط دون كسر نفسية الطفل.
وأوضحت أن هناك 3 سلبيات رئيسية لأسلوب السيطرة البعيد عن الحوار والاحتواء على نفسية الأبناء وهي: ضعف الثقة بالنفس، الخوف من التعبير عن الرأي والتمرد الخفي أو الانفجار السلوكي.
الاحتواء والحزم
وشددت الدكتورة فاطمة الجاسم على أهمية الاحتواء العاطفي للأبناء، والحوار بدلاً عن الأوامر والعقاب، معتبرة أن الطفل اليوم أكثر وعياً وتأثراً، وأن الاحتواء لا يعني غياب الحزم، بل يعني بناء علاقة قائمة على الثقة، تجعل الطفل أكثر استعداداً للالتزام بالقواعد، وبناء شخصية قادرة على اتخاذ القرار.
وقالت، إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الاحتواء أو السيطرة، بل في معرفة متى نحتوي، ومتى نحزم، وكيف نربي أبناءنا ليكونوا أقوياء نفسياً، وواعين، وقادرين على مواجهة الحياة بثقة واتزان.
أسلوب الحوار
وفي الوقت ذاته ترى بعض الأسر أن الاحتواء يؤدي إلى الدلال المفرط، خاصة عندما يطبق دون ضوابط، حيث ذكرت سمر عبدالله أنها حاولت اتباع أسلوب الحوار، لكنها وجدت أن الأطفال بدأوا يرفضون الأوامر، ويجادلون في كل شيء.
وتلتقط بدرية إبراهيم أطراف الحديث قائلة: إن المشكلة ليست في الاحتواء بل في سوء فهمه، حيث يتم الخلط بين الاحتواء والدلال الذي لا يعترف بالحدود أو القواعد.
وأضافت أن كثيراً من الأسر تعيش حالة من التردد التربوي، حيث تستخدم الحوار أحياناً، وتلجأ إلى السيطرة أحياناً أخرى.
مؤثرات خارجية
وقالت سها السعيد، إن كثرة المؤثرات الخارجية، لاسيما مواقع التواصل الاجتماعي، تدفعنا أحياناً إلى الحزم الشديد، مؤكدة بأن التكنولوجيا أصبحت اللاعب الأبرز في معادلة التربية، لأن الأسرة لم تعد وحدها المصدر الأساسي للقيم، فالأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي باتت شريكاً دائماً في تشكيل وعي الأبناء. وقال ناصر أكرم: كنا نخاف من العقاب أكثر مما نفهم الخطأ، ومع ذلك كبرنا وأصبحنا مسؤولين، فيما يرى فيصل الكعبي أن أسلوب السيطرة لم يعد مناسباً لأبناء اليوم، في ظل الانفتاح الرقمي، وتعدد مصادر المعرفة، وسهولة الوصول إلى المعلومة.
تنظيم واعٍ
وترى المعلمة أفنان سيد أن المنع التام يفشل غالباً، بينما يحقق التنظيم الواعي والرقابة القائمة على الثقة نتائج أفضل، من خلال تحديد أوقات الاستخدام، ومتابعة المحتوى، وتوفير بدائل إيجابية مثل الرياضة والأنشطة الاجتماعية.
وحذرت من استخدم أسلوب السيطرة دون توازن لأنه قد يتحول إلى منع الطفل من التعبير والتقليل من مشاعره، ما ينتج شخصية مهزوزة.
وأشارت إلى أنه ورغم أهمية الاحتواء، إلا أن سوء تطبيقه من قبل بعض الأهالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية لاسيما عند غياب الحدود الواضحة، أو اختلاف الأسلوب بين الوالدين، مشددة على أهمية التربية المتوازنة.
حقيقة مهمة
ويؤكد عدد من الأطفال على أنهم يشعرون بالسعادة عندما يستمع إليهم آباؤهم ويشعرون بأهميتهم وتزداد ثقتهم في أنفسهم وفي آرائهم. وتكشف أصواتهم البسيطة عن حقيقة مهمة وهي أن الطفل اليوم لا يرفض القواعد، بل يرفض أن تفرض عليه دون فهم أو احترام.

