لم يعد الطب حبيس العيادات أو المؤتمرات العلمية، بل انتقل بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث بات الأطباء سواء كانوا متخصصين أو غير متخصصين، يقدمون محتوى صحياً متنوعاً عبر «إنستغرام» و«يوتيوب» و«تيك توك» وغيرها من المواقع، ما بين التوعية والعلاج والنصائح الطبية، ما يستدعي وجود ضوابط تحكمه.
وخلال أعمال اليوم الثاني من قمة المليار متابع في نسختها الرابعة بدبي، استطلعنا آراء عدد من الأطباء المؤثرين المشاركين حول أسباب تحول الطب إلى محتوى، وعوامل انتشاره، وأكثر أنواعه رواجاً، إلى جانب المخاطر المحتملة على المتابعين، حيث أكدوا أن النصائح الصحية السريعة، والتوعية بالأعراض الشائعة، ومقاطع «قبل وبعد»، إضافة إلى محتوى التغذية واللياقة والصحة النفسية، تعد من أكثر أنواع المحتوى الطبي رواجاً.
وأضافوا، إن مقاطع شرح الأمراض المزمنة وطرق الوقاية منها تحظى أيضاً بنسبة متابعة عالية، وخاصة عندما يقدم بأسلوب مبسط ومدعوم بأمثلة واقعية.
وأشاروا إلى أن تحول الطب إلى محتوى رقمي يمثل فرصة مهمة لتعزيز الوعي الصحي، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية أخلاقية ومهنية على صناع المحتوى الطبي، بضرورة الالتزام بالدقة العلمية، وتوضيح الحدود الفاصلة بين التوعية والاستشارة، بما يضمن حماية المتابعين وتعزيز ثقتهم بالمعلومة الطبية الصحيحة.
ورغم الإيجابيات، إلا أن المشاركين حذروا من مخاطر الاعتماد غير المنضبط على المحتوى الطبي الرقمي.
إلى ذلك أكد الدكتور كريم علي، صانع محتوى، أن التحول الرقمي غير طريقة وصول الجمهور للمعلومة الطبية، قائلاً إن وسائل التواصل وفرت منصة مباشرة وسريعة للوصول إلى فئات واسعة، وخاصة الشباب، مشيراً إلى أن الجمهور لم يعد يكتفي بالمعلومة التقليدية، بل يبحث عن شرح مبسّط بلغة سهلة وقريبة من واقعه اليومي.
وشدد الدكتور كريم على أهمية عدم اللجوء إلى تشات جي بي تي أو الذكاء الاصطناعي بشكل عام للحصول على معلومات أو نصائح طبية، مشيراً إلى أنه مهما بلغت هذه التقنيات فإنها لا تغني عن الطبيب الإنسان.
وأكد علي أن بعض المتابعين قد يلجأون إلى التشخيص الذاتي أو العلاج دون استشارة طبية، ما قد يفاقم الحالات الصحية بدلاً من علاجها.
نقطة تحوّل
من جانبه، أوضح الدكتور عادل السجواني، استشاري طب الأسرة، أن جائحة «كوفيد-19» شكلت نقطة تحول محورية، إذ عززت وعي الناس بأهمية المعلومة الطبية الموثوق بها، ودفعت الأطباء إلى الخروج من الإطار التقليدي للمساهمة في مواجهة الشائعات وتصحيح المفاهيم الصحية الخاطئة.
وقال إن المتابعين يفضلون اللجوء لهذه المنصات التي تقدم لهم المعلومة الطبية بشكل سلس ومبسط بعيداً عن التعقيد وبشكل سريع، مشدداً على أهمية اللجوء للمنصات الموثوق بها التي ينشئ محتواها أطباء مختصون وهذا يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الأطباء الذين يجب أن يكونوا أمناء مع متابعيهم ولا يكون شغلهم الشاغل الترويج لأنفسهم أو لمنتجات طبية فقط بغض النظر عن مصلحة المريض.
خوارزميات

أما الدكتور حميد بن حرمل الشامسي، أخصائي طب الأورام، فأشار إلى أن الخوارزميات التي تعتمدها المنصات الرقمية لعبت دوراً رئيساً في تعزيز انتشار هذا النوع من المحتوى، إلى جانب اعتماد الفيديو القصير والرسائل السريعة التي تلائم نمط الاستهلاك الرقمي الحالي.
نتائج عكسية

بدورها، شددت الدكتورة لينة أميري على خطورة المحتوى غير المتخصص، وخاصة في مجال الصحة النفسية، حيث قد يؤدي التعميم أو التبسيط المخل إلى نتائج عكسية.
فيما دعا الدكتور حميد بن حرمل الشامسي إلى ضرورة التحقق من مصادر المحتوى، والتمييز بين التوعية العامة والاستشارة الطبية المتخصصة.
رواج المحتوى
وترى الدكتورة لينة أميري، استشاري الطب النفسي، أن زيادة الاهتمام بالصحة النفسية أسهمت بشكل كبير في رواج المحتوى الطبي، لافتة إلى أن الحديث عن القلق والاكتئاب والضغوط اليومية أصبح أكثر قبولاً اجتماعياً، وخاصة عبر المنصات الرقمية التي تمنح مساحة آمنة نسبياً للنقاش.
