بحث قادة وسياسيون وخبراء دوليون، في اليوم الختامي من القمة العالمية للحكومات 2026 «مستقبل الطاقة والصناعات» خلال سلسلة من الجلسات الحوارية، باعتباره أحد أهم المرتكزات الرئيسية لرسم معالم النظام العالمي الجديد.

وناقشوا معادلة التوازن الصعبة بين استدامة الموارد وطموحات التصنيع، ومن سيملك زمام اقتصاد الطاقة في المستقبل؟، وخلصوا إلى أن التفوق سيكون حليفاً للدول التي تدمج مواردها الطبيعية بالذكاء الاصطناعي والبنى التحتية المستدامة.

الازدهار المشترك

وتحدث سالمكساي كومماسيت، نائب رئيس وزراء جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية، في كلمة رئيسية، عن دور الدول النامية على خارطة الطاقة، وأكد أن النظام العالمي يمر بمفترق طرق يحتم تعزيز التعاون الدولي وصياغة سياسات منسقة لتحقيق الازدهار المشترك.

وأوضح أن الطاقة النظيفة والمستدامة تمثل ركيزة أساسية لاقتصاد العصر ومهد الصناعات المستقبلية، مشيراً إلى أن لاوس تعمل جاهدة على بناء نظام رقمي متطور وتوليد طاقة أكثر استدامة ونظافة، بما يتماشى مع «رؤية لاوس 2030».

ودعا المجتمع الدولي للشراكة والاستثمار في رأس المال البشري وتطوير تقنيات الطاقة النظيفة، مؤكداً التزام بلاده بالتحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.

تحولات الطاقة

من جهته، قدم المستشار والدبلوماسي ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، قراءة نقدية لواقع الطاقة العالمي وقال خلال جلسة حوارية بعنوان «كيف تغير تحولات الطاقة خريطة النفوذ العالمي؟»

أثبتت الكثير من التنبؤات السابقة حول تحولات الطاقة عدم دقتها. وأشار إلى أن الوقود الأحفوري لا يزال لاعباً أساسياً، حيث يواجه العالم طلباً متزايداً على الطاقة بكافة أشكالها، واصفاً قرار ألمانيا بإغلاق محطاتها النووية بـ«الخطأ الاستراتيجي».

وأشاد هاس بتجربة دولة الإمارات ودول الخليج، مؤكداً أنها نجحت في استثمار وفرة مواردها لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط. واختتم بالتأكيد على أن العالم يعيش حقبة تتطلب التوازن بين تبني الطاقة المتجددة وضمان أمن الإمدادات، مشدداً على ضرورة اعتماد سياسات «التحوط» في ظل نظام عالمي يشهد تغيرات جذرية في مراكز القوى وسلاسل التوريد.

مسؤولية أخلاقية

وفي جلسة بعنوان «هل الحكومات جاهزة لمواجهة متطلبات صناعات المستقبل؟» جمعت غيرد مولر، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، وروبرتو ميتو آلبينو، وزير الزراعة والبيئة بموزمبيق، أكد مولر أن العالم يواجه مسؤولية أخلاقية واقتصادية تجاه القارة الأفريقية، التي سيتضاعف سكانها إلى ملياري نسمة قريباً، مشدداً على أن استمرار استنزاف موارد القارة دون خلق «قيمة مضافة محلية» أمر غير مقبول.

ودعا مولر إلى تعميق الشراكات الدولية للاستثمار في أمن الغذاء والطاقة، مستشهداً بنموذج دبي في الطاقة الشمسية كقدوة يمكن تعميمها في أفريقيا لتوفير طاقة نظيفة ومنخفضة التكلفة، مؤكداً أن «كل شيء ممكن مع وجود الإرادة السياسية» لكسر الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

واستعرض الوزير روبرتو آلبينو تجربة موزمبيق في مواجهة تحديات التغير المناخي التي تهدد قطاع الزراعة، موضحاً أن بلاده تتبنى استراتيجية تقوم على الدمج بين القطاعين العام والخاص وتقديم حوافز استثمارية مغرية، تشمل حق استخدام الأراضي لـ50 عاماً برسوم منخفضة.

قيمة مضافة

الجلسة الختامية كانت بعنوان «اقتصاد الطاقة المستقبلي.. من يملكه؟»، وسلطت الضوء على صراع الموارد والسباق التكنولوجي نحو «السيادة الطاقية»، وأجمع المشاركون على أن ملكية المستقبل لن تعود لمن يمتلك الموارد فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على إدارتها رقمياً وتحويلها إلى قيمة صناعية مضافة.

وأكدت دوبرافكا هاندانوفيتش، وزيرة التعدين والطاقة في صربيا، أن بلادها تضع نفسها كلاعب رئيسي في القارة الأوروبية بامتلاكها واحداً من أكبر مخازن «الليثيوم» عالمياً، باحتياطيات تتجاوز 150 مليون طن، وهو ما يكفي لإنتاج مليون سيارة كهربائية.

وقالت: «الأمر لا يتعلق بما نمتلكه، بل بكيفية إدارته؛ نحن لا نصدر المواد الخام، بل نسعى لبناء خطوط إنتاج وتوسيع سلاسل القيمة لخلق فرص عمل ومواجهة إرباكات الإمداد التي خلفها الصراع في أوكرانيا».

من جانبه، طرح فرانشيسكو لا كاميرا، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)، رؤية تقنية مؤكداً أن «الذكاء الاصطناعي والرقمنة» هما المحركان القادمان لنظام الطاقة.

وأشار إلى أن التنافسية الاقتصادية المستقبلية ستعتمد على خفض التكلفة، وهو ما يصب في مصلحة الطاقة المتجددة والهيدروجين. وأثنى على نجاح دول الخليج في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن المركزية التقليدية للوقود الأحفوري.

وأشار بوب ويلين، الشريك الإداري في مؤسسة «كيرني»، إلى وجود سباق محموم بين الدول والقطاع الخاص لبناء قدرات في مجال المعادن والبنية التحتية الذكية. وأكد ويلين أن «سيادة البيانات» والابتكار سيكونان بمثابة محركات للنمو، مشدداً على أن النجاح يتطلب تكامل ثلاثة ركائز: النفاذ إلى رؤوس الأموال، والأنظمة التشريعية المرنة، والالتزام البيئي.

شاركها.