أكد معالي يوسف مانع العتيبة، سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، أن قرار بلاده بمغادرة منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يعكس تحولات هيكلية عميقة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وأشار العتيبة في مقال نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” إلى أن هذا القرار الإماراتي يستند إلى رؤية واضحة لمستقبل الدولة ويتجاوز مجرد قضايا حصص الإنتاج أو اضطرابات الأحداث الجيو-سياسية.
الإمارات تغادر أوبك: رؤية اقتصادية متجددة
صرح معالي يوسف مانع العتيبة، سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، بأن قرار الخروج من منظمة أوبك، الذي يأتي بعد ما يقرب من ستة عقود من العضوية، يمثل تجاوزًا لأبعاد الإنتاج وضغوط الحرب، ويعكس التغيرات الهيكلية الكبيرة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. ويؤكد هذا القرار على المكانة التي تحتلها الإمارات اليوم والاتجاه الذي تسير فيه.
وفي سياق تاريخي، استذكر العتيبة حضوره لأول اجتماع له في أوبك عام 1986، وهو بعمر الثالثة عشرة، بالتزامن مع انهيار أسعار النفط إلى مستويات متدنية. وعكس ذلك السياق، كان والده، مانع العتيبة، وزير البترول والثروة المعدنية الإماراتي آنذاك، يكافح لإقناع أعضاء أوبك بتعزيز حصص الإنتاج وتحقيق استقرار الأسعار. على الرغم من التشكك الذي أبداه في ذلك الوقت، بقيت أوبك، وبرزت الإمارات لاحقًا كأكبر منتج للنفط في المنظمة.
مغادرة أوبك تأتي لأن الإمارات لم تعد تعتمد بشكل أساسي على النفط، كما كان الحال عند تأسيس المنظمة. كانت أبوظبي قد انضمت إلى أوبك قبل قيام دولة الإمارات، والتي كانت تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط لتمويل تنميتها. في تلك المرحلة، كان إطار أوبك، القائم على الإنتاج الجماعي المشترك وتنسيق الأسعار، منطقيًا لدولة ناشئة تسعى للدخول إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. إلا أن هذا الوضع قد تغير.
اليوم، يمثل قطاع الطاقة أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، بينما تشهد قطاعات أخرى نموًا متسارعًا، مثل الطيران، والخدمات اللوجستية، والتصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، وعلوم الحياة. تعكس هذه الديناميكية الاقتصادية الجديدة التحول الاستراتيجي للدولة.
تؤكد الإمارات على التزامها بتعزيز أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الدولي، وهي مهمة تزداد إلحاحًا في ظل التحديات الراهنة. تمتلك الإمارات القدرة الإنتاجية الفائضة والبنية التحتية اللازمة للتوسع، وتخطط لاستثمار المزيد في خطوط الأنابيب، وتحديث الموانئ، وتعزيز سلاسل الإمداد لضمان وصول طاقتها إلى الأسواق العالمية، بغض النظر عن التطورات المحيطة.
تهدف الإمارات إلى بلوغ طاقة إنتاجية تصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027. وترى الدولة أن الخروج من إطار الإنتاج الجماعي في أوبك يمثل فرصة لتحقيق هذه الأهداف بشكل فعال. فخروجها من أوبك لا يعد فقط حسابًا تجاريًا، بل مسؤولية تهدف إلى المساهمة في أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي.
تخطط الإمارات لإعادة استثمار عائدات زيادة الإنتاج في مشاريع البنية التحتية في الدول النامية. وتواصل شركة “مصدر” للطاقة المتجددة نموها، حيث تعمل في 40 دولة، فيما تنتج محطة براكة للطاقة النووية طاقة نظيفة ومستقرة. بالإضافة إلى ذلك، تستثمر “أدنوك” مليارات الدولارات في حلول منخفضة الكربون عبر ذراعها الاستثماري الجديد.
يشكل استمرار عضوية دول مثل إيران، التي خالفت مهمة أوبك المتعلقة باستقرار أسواق النفط، سببًا إضافيًا لقرار الإمارات. فالهجمات الأخيرة على ناقلات والطاقة في الخليج تؤكد على عدم استقرار الوضع.
وترى الإمارات أن عائدات النفط دائمًا ما كانت وسيلة لتحقيق أهداف أسمى، وليست غاية بحد ذاتها. لم يكن الهدف أبدًا أن تكون دولة نفطية، بل بناء كيان اقتصادي أكثر استدامة.
ماذا بعد؟
يبقى التحدي الأكبر في كيفية استغلال الإمارات لطاقاتها الإنتاجية المتزايدة في ظل تقلبات الأسواق العالمية والتطورات الجيو-سياسية. كما أن مدى فعالية الاستثمارات المزمعة في البنية التحتية عالميًا، وخاصة في الدول النامية، سيشكل مؤشرًا هامًا على نجاح هذه الاستراتيجية الجديدة.

