1 الإمارات تتصدر قائمة الدول الأكثر أماناً على مستوى العالم وفق مؤشرات دولية عدة
86 مشروعاً ومبادرة مبتكرة ضمن استراتيجية التحول الرقمي الشامل لشرطة دبي
شكّل القطاع الأمني في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، منذ وقت مبكر، ركيزة أساسية في تطور الدولة وعنصراً حاسماً في معادلة التنمية الشاملة، فالأمن كما يراه سموه ليس غاية بحد ذاته بل شرط سابق لكل ازدهار اقتصادي واستقرار اجتماعي وجاذبية حضرية، وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين أكد سموه أن المنظومة الأمنية عالية الكفاءة التي نجحت دولة الإمارات في توطيد أركانها، تعد من أهم ركائز مسيرة التنمية، لما تضطلع به من دور محوري في حفظ مقدرات الوطن وصون مكتسباته وضمان أعلى مستويات السلامة للمجتمع بكل مكوناته.
هذه الرؤية الاستشرافية لم تتشكل بمعزل عن تجربة عملية طويلة، بدأت مبكراً مع انخراط سموه في العمل الأمني حيث تم تعيينه رئيساً للشرطة والأمن العام بإمارة دبي في 1 نوفمبر 1968، ووزيراً للدفاع في عام 1971، ما أسس لفهم عميق لطبيعة التحديات، وأهمية بناء مؤسسات أمنية مرنة، قادرة على التطور، ومواكبة التحولات المتسارعة في العالم ومن هذا المنطلق، اتجهت السياسات إلى تجاوز النموذج التقليدي القائم على رد الفعل، نحو مقاربة شاملة تجمع بين الاستباق، والتكنولوجيا، والحوكمة، والشراكة المجتمعية وتعزيز الشق الوقائي والدفاعي.
على المستوى الاتحادي، قاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مساراً تشريعياً وتنظيمياً أعاد صياغة مفهوم الأمن الوطني، ونقله من كونه اختصاصاً تنفيذياً إلى سياسة دولة شاملة، وقد تُرجم هذا التوجه في تحديث حزمة واسعة من القوانين الاتحادية المرتبطة بالأمن، كان من أبرزها تطوير قانون الجرائم الإلكترونية بصيغ متقدمة خلال العقد الأخير، بما وفر إطاراً قانونياً صارماً لمواجهة الابتزاز الرقمي، واختراق الأنظمة، وإساءة استخدام الشبكات، وحماية الخصوصية الرقمية، في وقت بات فيه الفضاء السيبراني أحد أخطر مسارح الجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
وأسهم هذا التحديث التشريعي في نقل الدولة من التعامل مع الجرائم الرقمية بوصفها مخالفات تقنية إلى اعتبارها تهديدات أمنية واقتصادية تمس الاستقرار المجتمعي والمالي.
تعاون وثيق
وفي السياق ذاته، اعتمدت الحكومة الاتحادية قوانين محدثة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عززت صلاحيات التتبع المالي، وربطت بين التحقيقات الجنائية والمسارات المالية، وأسست لتعاون وثيق بين الجهات الأمنية والرقابية والقضائية.
وشكّل إنشاء المكتب التنفيذي لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب خطوة اتحادية محورية، نقلت هذا الملف إلى منظومة تنسيقية عليا تضم وزارة العدل، ووزارة الداخلية، والمصرف المركزي، والجهات الرقابية، وأسهمت بشكل مباشر في حماية النظام المالي الوطني، ورفع مستوى امتثال الدولة للمعايير الدولية، وتعزيز موقع الإمارات كمركز اقتصادي عالمي آمن وموثوق به.
وشكّل إطلاق الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات في عام 2014 محطة مفصلية في دمج الأمن ضمن منظومة السياسات العامة للدولة، إذ رسخت مفهوم «المجتمع الآمن المتلاحم» كإحدى الأولويات الوطنية الرئيسة، وربطت الأمن بجودة الحياة والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
وبموجب ذلك، لم يعد قياس الأداء الأمني محصوراً في معدلات الجريمة أو عدد الضبطيات، بل امتد ليشمل مستويات الشعور بالأمان، والثقة بالمؤسسات، والتماسك المجتمعي، وهي مؤشرات باتت تعتمد عالمياً لقياس جاهزية الدول وقدرتها على استقطاب الكفاءات والاستثمارات والحفاظ على استقرارها طويل الأمد.
ومع تسارع التحول الرقمي الحكومي والاقتصادي، برز الأمن السيبراني كأحد أعمدة الأمن الوطني الاتحادي.
وفي هذا الإطار، جاء إنشاء مجلس الإمارات للأمن السيبراني كقرار سيادي نقل الأمن الرقمي من وظيفة تقنية دفاعية إلى سياسة دولة استباقية، تُعنى بحماية البنية التحتية الرقمية، وضمان استمرارية الخدمات الحكومية والمالية، وتأمين الأنظمة الحيوية.
وبالتوازي، اعتمدت الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني بوصفها وثيقة سياسة اتحادية واضحة، حددت أدوار الجهات، وآليات الاستجابة، ومتطلبات الجاهزية، وربطت الأمن الرقمي بالأمن الاقتصادي والخدمات الحكومية.
وقد تُوّج هذا المسار بتحقيق دولة الإمارات نسبة 100 % في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، ما وضع الدولة في صدارة التصنيفات العالمية وأكد نضج نموذجها في إدارة المخاطر الرقمية.
الأمن الوقائي
وفي موازاة التشريع والتنظيم، تبنّت الإمارات نهج الأمن الوقائي كسياسة اتحادية شاملة، يقوم على منع التهديدات قبل نشوئها، وعدم الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوعها.
وانعكس هذا النهج في سياسات مكافحة التطرف، وتجفيف منابعه الفكرية، وربط الأمن بالثقافة والتعليم والتسامح، إلى جانب الدور الدبلوماسي والإنساني الذي اضطلعت به الدولة لمعالجة جذور الأزمات إقليمياً ودولياً.
وقد أسهم هذا التوجه في تصدر الإمارات مؤشرات عالمية تتعلق بانخفاض مستويات المخاطر الأمنية، وارتفاع نسب الشعور بالأمان مقارنة بالمتوسطات العالمية.
كما عززت دولة الإمارات تعاونها الأمني والقضائي الدولي من خلال تفعيل النشرات الحمراء للإنتربول، وتسليم مطلوبين دولياً في قضايا الجريمة المنظمة، وغسل الأموال، والاتجار غير المشروع، بما رسّخ مبدأ عدم إفلات الجناة من العدالة، وعكس التزام الدولة الصريح بالمعايير الدولية لإنفاذ القانون، وحماية النظام المالي العالمي من الاستغلال، كما أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة الإمارات كشريك موثوق به في منظومة الأمن والعدالة الدولية.
وضمن هذه المنظومة المتكاملة، برزت دبي بوصفها نموذجاً حياً لترجمة السياسات الوطنية إلى واقع عملي، إذ لم تكن الإمارة حالة منفصلة عن الإطار الاتحادي، بل شكّلت نموذجاً ملهماً، حيث شهدت دبي منذ تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مقاليد الحكم فيها تحولاً نوعياً في مفهوم العمل الشرطي، الذي ارتكز على الابتكار المؤسسي، والتحول الرقمي، والاستثمار المكثف في رأس المال البشري.
وفي عام 2017، اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم استراتيجية الهوية المؤسسية لشرطة دبي، المبنية على 3 مرتكزات رئيسة هي الابتكار، والأمن، والتواصل.
وجاءت هذه الاستراتيجية متوافقة مع الخطة الاستراتيجية لشرطة دبي للفترة 2016 – 2021، ومنسجمة مع خطة حكومة دبي 2021، ومستوحاة من الرؤية المئوية لدولة الإمارات 2071، بما رسّخ صورة الشرطة كمؤسسة عصرية قريبة من المجتمع، وقادرة على مواكبة تطلعاته.
الخدمات الشرطية
وترجم هذا التوجه في التحول الرقمي الكامل لخدمات شرطة دبي بنسبة 100 %، وتوفير حزمة من الخدمات الذكية عبر التطبيق الإلكتروني، ما مكّن المتعاملين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة إلى مراجعة المراكز الشرطية.
وأسهم هذا التحول في رفع كفاءة الأداء وتسريع زمن الاستجابة وتعزيز الثقة بين الشرطة والمجتمع، فيما شكلت مراكز الشرطة الذكية نموذجاً متقدماً للعمل الشرطي الحديث، وقد حصل مشروع مركز الشرطة الذكي، على علامة الجاهزية للمستقبل 2024، التي يتم منحها للجهات الحكومية الاتحادية والمحلية التي تصمم وتطبق مشاريع استثنائية تعزز من جاهزية الدولة للمستقبل.
إذ تعمل على مدار الساعة دون تدخل بشري، حيث أنجزت أكثر من 1.2 مليون بلاغ ومعاملة رقمية، وقدمت خدماتها لما يزيد على 2.7 مليون متعامل بزمن خدمة لا يتجاوز 25 دقيقة، فيما بلغ متوسط زمن الاستجابة للبلاغات نحو 1.45 دقيقة فقط.
وعلى صعيد الاستدامة، أسهمت هذه المراكز في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 5800 طن سنوياً، وتقليل استهلاك الطاقة بنسبة 97 %، ما جعلها نموذجاً عالمياً للأمن المستدام الذي يجمع بين الكفاءة التشغيلية والمسؤولية البيئية.
وفي موازاة ذلك، واصلت شرطة دبي تعزيز جاهزيتها المؤسسية، فحصدت خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 440 جائزة محلية وإقليمية وعالمية في مجالات الابتكار، وجودة الخدمات، والحوكمة، والتحول المؤسسي.
وفي عام 2025، تصدرت شرطة دبي مؤشر قيمة الهوية المؤسسية الصادر عن «براند فايننس»، وبمجموع نقاط بلغ 9.2 من 10، وأبرز التقرير الدور المحوري لشرطة دبي ومساهمتها في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات ودبي بـ57.9 مليارات درهم (15.8 مليار دولار أمريكي)، من أصل 4.48 تريليونات درهم (1.2 تريليون دولار أمريكي)، قيمة الهوية الإعلامية الوطنية لدولة الإمارات ويعكس هذا الإنجاز الثقة الدولية العالية بالمنظومة الأمنية الإماراتية ودورها في تعزيز الأمن والرفاهية وجودة الحياة.
إلى ذلك حصلت الإدارة العامة للذكاء الاصطناعي في شرطة دبي على الاعتماد العالمي لمعايير الآيزو في نظام إدارة الذكاء الاصطناعي لتكون بذلك من أوائل الجهات الحكومية على مستوى العالم التي تنال هذا الاعتماد، والذي يُعد أيضاً أول مواصفة قياسية دولية مُعتمدة لنظام إدارة الذكاء الاصطناعي، AIMS.
هذا وتحرص شرطة دبي بشكل مُستمر على تطوير عمليتها الشرطية المُختلفة عبر تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي لتخدم جميع القطاعات ومنها قطاعات شؤون البحث الجنائي والعمليات لتعزيز منظومة الأمن والأمان في المجتمع ومكافحة الجريمة إلى جانب القطاعات الأخرى التي تُقدم خدمات تسهم في إسعاد المتعاملين بما يعزز من مؤشر الثقة بالشرطة، ورفع مؤشر الأمن والأمان على مستوى الإمارة، حيث دعمت 29 عملية إدارية على مستوى كافة القطاعات الشرطية عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي.
استراتيجية
وقد أعلنت القيادة العامة لشرطة دبي خلال القمة الشرطية العالمية 2025، عن استراتيجيتها للتحول الرقمي الشامل، والتي تمتد حتى العام 2028 في خطوة تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في منظومة العمل الشرطي، وتتضمن الاستراتيجية تنفيذ 86 مشروعاً رقمياً ومبادرة مبتكرة، تهدف إلى بناء عمليات شرطية متصلة وذاتية الاستجابة تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي، قادرة على حماية المجتمعات والتعامل بمرونة مع التحديات.

وتعكس تجربة دولة الإمارات، كما تتجسد في دبي، نموذجاً متقدماً للأمن الشامل، يجمع بين التشريع، والتقنية، والحوكمة، والاستثمار في الإنسان، ويؤكد أن الأمن لم يعد مجرد قطاع خدمي، بل رافعة استراتيجية للتنمية والاستقرار، وجزءاً أصيلاً من هوية الدولة الحديثة ومسيرتها نحو المستقبل.
وعلى مستوى التنافسية الدولية، انعكست السياسات والقرارات الأمنية الاتحادية على موقع دولة الإمارات في المؤشرات العالمية ذات الصلة بالأمن والاستقرار، فقد تصدرت الدولة قائمة الدول الأكثر أماناً على مستوى العالم وفق مؤشرات دولية عدة، من بينها مؤشر الأمان الصادر عن موقع «نومبيو» خلال السنوات الأخيرة، والذي يستند إلى معايير تشمل معدلات الجريمة، ومستوى الشعور بالأمان خلال النهار والليل، ونسب الجرائم العنيفة وجرائم الممتلكات.
كما كشف تقرير صادر عن معهد «ليغاتوم» أن دولة الإمارات واصلت تربعها على صدارة مؤشرات الأمن والاستقرار المجتمعي، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة الأمنية الشاملة التي اعتمدتها الدولة على مدى عقدين.
وفي السياق ذاته، أظهرت تقارير دولية أن دولة الإمارات سجلت نسباً مرتفعة في مؤشرات الشعور بالأمان، حيث عبّر أكثر من 90 % من المقيمين عن شعورهم بالأمان مقارنة بمتوسط عالمي أقل بكثير، ما يعكس الأثر المباشر للسياسات الأمنية على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.
ولم تكن هذه النتائج معزولة عن الجهود الاتحادية في ربط الأمن بالتنمية الحضرية، وتطوير البنية التحتية الذكية، وتأمين المرافق الحيوية، وضمان سلامة الفضاءات العامة، بما يعزز الثقة المجتمعية ويكرس الاستقرار طويل الأمد.
وعلى صعيد مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، عززت الدولة خلال السنوات الماضية حضورها الفاعل في منظومة الأمن الدولي، من خلال توسيع نطاق التعاون مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) وأجهزة إنفاذ القانون في الدول الشريكة.
