1300 مدرسة حكومية وخاصة على مستوى الدولة

27284 معلماً ومعلمة في المدارس الخاصة

لم يكن التعليم في دولة الإمارات خلال العقدين الأخيرين مساراً عادياً ضمن قطاعات التنمية، بل تحول إلى أحد أكثر المشاريع الوطنية عمقاً وتأثيراً، فمنذ عام 2006، دخل التعليم الإماراتي مرحلة إعادة تعريف شاملة، انتقل فيها من التركيز على التوسع والاستيعاب، إلى بناء منظومة معرفية متكاملة، تستثمر في الإنسان، وتعيد رسم العلاقة بين المدرسة والاقتصاد والمستقبل.

ويعود هذا التحول الجوهري إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي أولى التعليم اهتماماً استثنائياً، باعتباره الأساس الحقيقي لصناعة الإنسان القادر على قيادة المستقبل، حيث انطلقت هذه الرؤية من قناعة راسخة بأن بناء الدول لا يتحقق بالموارد وحدها، بل بالعقول المؤهلة، والقيم الراسخة، والقدرة على الابتكار والمنافسة في عالم متغير.

وعلى امتداد عشرين عاماً، انعكست هذه الرؤية في سياسات تعليمية متكاملة، أعادت هيكلة المنظومة التعليمية، ووسعت الاستثمارات في التعليم العام والخاص والعالي، وطورت أدوات الرقابة والجودة، وربطت مخرجات التعليم بأهداف التنمية الشاملة، ونتيجة لذلك، تشكل نموذج تعليمي إماراتي، بات حاضراً في المؤشرات العالمية، وقادراً على التكيف مع الأزمات والتحولات الكبرى، مستنداً إلى فلسفة واضحة، تجعل من صناعة الإنسان جوهر المشروع الوطني ومساره المستدام.

وفي ظل تطور المشهد التعليمي على مستوى الدولة، شهدت المنظومة المدرسية توسعاً لافتاً من حيث العدد والانتشار، حيث يبلغ عدد المدارس الحكومية اليوم أكثر من 520 مدرسة، تقدم خدماتها التعليمية بكفاءة عالية، ووفق أحدث إحصاءات وزارة التربية والتعليم، يدرس في مدارس الدولة أكثر من مليون طالب وطالبة، موزعين بين المدارس الحكومية والخاصة، يشكل طلبة المدارس الحكومية منهم نحو 295 ألف طالب، فيما يتوزع باقي الطلبة على المدارس الخاصة، التي تشهد نمواً متواصلاً في الإقبال على خدماتها التعليمية.

ويصل إجمالي عدد المدارس الحكومية والخاصة إلى أكثر من 1300 مدرسة على مستوى الدولة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الخدمة التعليمية، وقدرتها على تغطية مختلف المناطق الجغرافية، وتوفير فرص تعليمية متكافئة، تستجيب لاحتياجات المجتمع وتنوعه السكاني.

ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية، وضعت دبي التعليم في صدارة أولوياتها، وبدأت إعادة تشكيل منظومته بما يتناسب مع طبيعة الإمارة العالمية، وتنوعها السكاني والثقافي.

ولم يكن الهدف مجرد استيعاب الطلب المتزايد على المدارس والجامعات، بل بناء نظام تعليمي مرن، عالي الجودة، وقابل للمساءلة، يربط بين التعليم والتنمية الاقتصادية، ويواكب التحولات العالمية المتسارعة في سوق العمل والتكنولوجيا.

وشهد التعليم الخاص في دبي توسعاً كبيراً من حيث عدد المدارس والطلبة، إلا أن هذا التوسع جاء منضبطاً ضمن إطار تنظيمي واضح، تقوده هيئة المعرفة والتنمية البشرية، التي تأسست عام 2006، لتقود مرحلة جديدة في إدارة التعليم.

وقد أسست الهيئة نموذجاً رقابياً متقدماً، يقوم على التفتيش المدرسي الدوري، وتقييم الأداء وفق معايير معلنة، ونشر نتائج المدارس بشفافية أمام المجتمع، ما أسهم في ترسيخ ثقافة الجودة والمساءلة.

ومع مرور السنوات، انتقل التعليم الخاص في دبي من مرحلة التركيز على الكم، إلى مرحلة التركيز على النوع، فأصبحت المدارس تعمل علي تحسين نواتج التعلم، وتطوير أساليب التدريس، وتوفير بيئات تعليمية محفزة، مع ربط أي زيادة في الرسوم الدراسية بمستوى الأداء الفعلي، هذا التحول أسهم في رفع مستوى التنافس الإيجابي بين المدارس، ودفعها للاستثمار في الكوادر التعليمية، والتقنيات الحديثة، والمناهج المتطورة.

وتعكس الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة المعرفة والتنمية البشرية، أن قطاع المدارس الخاصة في دبي شهد تحولاً هيكلياً واسع النطاق منذ عام 2006، سواء من حيث الحجم أو الدور أو التأثير في المنظومة التعليمية ككل، ففي العام الدراسي 2007 – 2008، وهو من أوائل الأعوام التي بدأت فيها الهيئة تطبيق منظومة الرقابة، وترصد أداء المدارس، بلغ عدد الطلبة في المدارس الخاصة نحو 156,504 طلبة، قبل أن يتضاعف هذا الرقم تدريجياً على مدار عقدين تقريباً، ليصل في العام الدراسي 2024 – 2025 إلى 387.441 طالباً وطالبة، في مؤشر واضح على النمو المستمر للقطاع، وقدرته على استيعاب الزيادة السكانية، وتنوع الجنسيات في الإمارة، ضمن إطار تنظيمي منضبط.

ويؤكد هذا المسار التصاعدي أن النمو في التعليم الخاص لم يكن مرتبطاً بمرحلة زمنية محددة، بل جاء نتيجة سياسات تعليمية طويلة الأمد، ركزت على الجودة والتنوع والاستدامة، ففي العام الدراسي 2024 – 2025 وحده، ارتفعت نسبة التحاق الطلبة بنسبة 6 %، مقارنة بالعام السابق، ليتوزعوا على 227 مدرسة خاصة في مختلف مناطق دبي، وهو أعلى رقم مسجل في تاريخ القطاع حتى الآن، ويعكس هذا النمو ثقة أولياء الأمور في منظومة التعليم الخاص، وجاذبية دبي وجهة تعليمية إقليمية ودولية للعائلات الباحثة عن تعليم متقدم ومتعدد الخيارات.

185 جنسية

ويتجلى تنوع المشهد التعليمي في دبي من خلال تعدد المناهج وانتشارها بين الطلبة، حيث يواصل المنهج البريطاني تصدره من حيث عدد المدارس والطلبة، يليه المنهج الهندي، ثم البكالوريا الدولية، فالمنهج الأمريكي، إلى جانب مناهج أخرى، هذا التنوع، الذي توسع بشكل ملحوظ منذ عام 2006، لم يكن مجرد استجابة للتعدد السكاني، بل نتاج رؤية تعليمية، هدفت إلى توفير خيارات تعليمية واسعة لأكثر من 185 جنسية تقيم في دبي، مع الحفاظ على متطلبات الهوية الوطنية والمواد الإلزامية، بما يحقق التوازن بين العالمية والانتماء المحلي.

وعلى مستوى الموارد البشرية، تشير البيانات الحديثة إلى أن عدد المعلمين في المدارس الخاصة بلغ 27,284 معلماً ومعلمة، تشكل المعلمات منهم نسبة

78 %، مقابل 22 % للمعلمين، ويأتي هذا النمو في أعداد الكوادر التعليمية، متوازياً مع التوسع الكبير في أعداد الطلبة منذ عام 2005، بما يضمن الحفاظ على نسب مناسبة بين المعلمين والطلبة، ودعم جودة التعليم داخل الصفوف، خاصة في المراحل التأسيسية، التي تتطلب خبرات تربوية متخصصة.

وتكشف الإحصاءات كذلك عن بعد ديموغرافي مهم في التعليم الخاص بدبي، حيث تستحوذ الجنسيات العشر الأكثر انتشاراً على نحو 76 % من إجمالي عدد الطلبة، بإجمالي يقارب 294.824 طالباً وطالبة، ويواكب هذا التنوع تطبيق استراتيجية التعليم 33 التي أطلقتها الهيئة، والتي تركز على تمكين الطلبة، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز الشراكة مع أولياء الأمور، وضمان أن يظل النمو الكمي المتسارع للقطاع منذ عام 2006 وحتى اليوم، مقروناً بتحسّن نوعي في نواتج التعلم، بما يعزز مكانة دبي ضمن أفضل الأنظمة التعليمية عالمياً.

17 منهاجاً

وتجلى أحد أبرز ملامح التجربة التعليمية في دبي، في التنوع الكبير للمناهج الدراسية، واحتضنت الإمارة مدارس تقدم المناهج البريطانية والأمريكية والبكالوريا الدولية والهندية وغيرها، ما جعلها من أكثر المدن تنوعاً تعليمياً على مستوى العالم، هذا التنوع أتاح لأولياء الأمور خيارات واسعة، تتناسب مع تطلعاتهم الأكاديمية والثقافية، وفي الوقت ذاته، حرصت الجهات التنظيمية على مواءمة هذه المناهج مع القيم المحلية، وتعزيز الهوية الوطنية واللغة العربية.

وعلى صعيد الكوادر التعليمية، عملت دبي خلال العقدين الماضيين على استقطاب معلمين من مختلف دول العالم، مع تشديد متطلبات الترخيص والتطوير المهني المستمر، ولم يعد دور المعلم مقتصراً على نقل المعرفة، بل امتد ليشمل تنمية مهارات التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي لدى الطلبة، بما ينسجم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

المركز الأول عربياً

وسطرت دولة الإمارات سلسلة من التحولات الجذرية في قطاع التعليم، جعلتها نموذجاً إقليمياً وعالمياً في بناء نظام تعليمي متطور قائم على الجودة والاستدامة واستشراف المستقبل.

ويعود هذا التطور إلى الرؤية الاستراتيجية للقيادة التي حرصت على أن يكون التعليم محوراً رئيساً في مشروع الدولة منذ تأسيس الاتحاد، مع الاستثمار المستمر في الإنسان، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء مجتمع قادر على المنافسة في المئوية القادمة.

وحققت دولة الإمارات نتائج متقدمة في دراسة (TIMSS) 2023، حيث احتلت الإمارات المركز الأول عربياً في الدراسة التي تقيس مدى تقدم الطلبة في الصفين الرابع والثامن في مادتي العلوم والرياضيات، وشارك في الدراسة التي تعقد كل أربع سنوات، أكثر من 64 دولة من مختلف دول العالم.

وأظهرت النتائج تقدماً ملحوظاً تجاوز المتوسط العالمي، سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة، والتي بلغ عددها 750 مدرسة، شاركت في هذه الدراسة، وجاءت دولة الإمارات من بين ثلاث دول فقط، حققت تقدماً ملحوظاً في نتائج مادة العلوم من بين كافة الدول المشاركة، الأمر الذي يعكس تطوراً ملموساً في جودة التعليم، ومستوى التحصيل العلمي للطلبة، في إطار رؤية الوزارة لتحقيق ريادة تعليمية عالمية.

وبالمقارنة مع نتائج دراسة TIMSS لعام 2019، سجل أداء طلبة دولة الإمارات في دورة 2023 قفزة نوعية، حيث ارتفع أداء طلبة الصف الرابع في مادة الرياضيات بمقدار 17 نقطة، وفي مادة العلوم بمقدار 22 نقطة، أما في الصف الثامن، فقد شهد الأداء تحسناً ملحوظاً، بزيادة قدرها 15 نقطة في مادة الرياضيات، و14 نقطة في مادة العلوم.

وشهدت المنظومة التعليمية في دولة الإمارات تحولاً جذرياً خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقلت من نمط التعليم التقليدي القائم على الكتب الورقية والشرح المباشر، إلى نموذج تعليمي متطور، يستند إلى التكنولوجيا والمعرفة الرقمية، انسجاماً مع توجيهات الدولة ببناء مدرسة حديثة تواكب المستقبل.

فقامت وزارة التربية والتعليم بتوجيه العملية التعليمية نحو بيئة رقمية متكاملة، تعمل فيها المدارس وفق رؤية واضحة، تعتمد على دمج التكنولوجيا في كل مكونات التعلم، بدءاً من طريقة تقديم الدروس، ووصولاً إلى أساليب التقييم.

وفي هذا الإطار، توسعت الوزارة في إدخال منصات رقمية مخصصة لحل الواجبات وتنظيم تعلم الطلبة، ما أتاح للطالب أداء مهامه الدراسية عبر بيئات تعليمية ذكية، تُمكّنه من مراجعة المحتوى، ومتابعة تقدمه، والتفاعل مع المعلم إلكترونياً.

كما أصبح استخدام الحاسوب داخل الصف جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، حيث تعتمد المدارس على الأجهزة اللوحية، وبرامج المحاكاة والتجارب الافتراضية، بما يعزز مهارات الطالب في البحث والتحليل واستخدام أدوات العصر.

اختبارات إلكترونية

ومع تطوّر البيئة التعليمية، باتت الاختبارات الإلكترونية مكوّناً محورياً في تقييم الطلبة، إذ تعتمد الوزارة بصورة واسعة على الاختبارات الرقمية التي تقيس مهارات التفكير العليا، وتوفر تقارير تفصيلية فورية، وترفع من جودة القياس وتكافؤ الفرص بين الطلبة.

ويأتي هذا التغيير ضمن إطار أوسع، يتسق مع توجه الدولة نحو اقتصاد المعرفة. وتتويجاً لهذه التحولات، أدرجت وزارة التربية والتعليم مادة الذكاء الاصطناعي في المناهج من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، ابتداء من العام الدراسي 2025 – 2026، بهدف تمكين الطلبة من فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته العملية، وبناء جيل قادر على الابتكار والتصميم، وحل المشكلات، وقيادة المستقبل المعرفي للدولة.

شاركها.