لا يلبث أن ينتهي «ترند» جديد على منصات التواصل الاجتماعي حتى يأتي آخر، ودائماً المستهدف الشباب المراهقون الذين ينجرّون لتقليد الآخرين دون وعي بالمخاطر والمشاكل الجمة التي يسببها التقليد الأعمى. ومؤخراً انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قصيرة يظهر فيها مراهقون يؤكدون صداقاتهم عبر تعريض أيديهم لحرارة الشاي المغلي أو سكب مشروبات ساخنة على الجلد لثوانٍ وهم يمسكون أيدي بعض، في مشاهد تقدم أنها اختبار للصداقة والمحبة بأنهم يصابون معاً بالحروق دون أن يقوموا بترك أيديهم.

الترند الجديد بدأ داخل مجموعات محدودة من الأصدقاء، وسرعان ما تحول إلى سلوك مقلق، ما دفع تربويين واختصاصيين وأطباء إلى التحذير من مخاطره الجسدية والنفسية، وخاصة أن هذه الفئة لديها تقليد أعمى يعرضهم للمخاطر التي يستدعي بعضها تدخلاً طبياً.

ويرى مختصون أن خطورة هذا الترند لا تكمن فقط في الحرق ذاته، بل في الطريقة التي يروج بها بين الطلبة، إذ يغلف بذريعة الصداقة، ويصور أنه تصرف عادي أو تجربة عابرة، ما يدفع بعض المراهقين إلى الاستهانة بالألم وعدم إدراك العواقب طويلة المدى، سواء على مستوى الجلد أو الحالة النفسية.

ويتفق التربويون والاختصاصيون على أن مواجهة ترند حرق اليدين بالشاي المغلي تتطلب تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع، من خلال الحوار المفتوح مع الطلبة، والتوعية المستمرة، وتعزيز ثقافة احترام الجسد والحدود الشخصية. فبين مقطع قصير وضغطة زر، قد يدفع طالب ثمن مزحة لا تستحق الألم ولا الندبة ولا الأثر النفسي طويل المدى.

التربوية الدكتورة مروة علي مهيأ، أكدت أن ترند سكب الشاي الساكن على اليدين يعد من أخطر التحديات المنتشرة حالياً بين فئة المراهقين، كونه لا يتطلب أدوات خاصة ويمكن تنفيذه بسهولة في أي مكان، موضحة أن عدداً من الطلبة ينقلون هذه السلوكيات من العالم الرقمي إلى واقعهم اليومي دون وعي حقيقي بالمخاطر، وخصوصاً حين تمارس داخل إطار الصداقة والمزاح.

وأشارت إلى أن الضغط الجماعي يلعب دوراً محورياً في انتشار هذا النوع من الترندات، حيث يجد الطالب نفسه أمام خيار المشاركة أو التعرض للسخرية والنبذ، مؤكدة أن هذه الممارسات تعكس ضعفاً في مهارات اتخاذ القرار، وخللاً في فهم مفهوم الشجاعة، وبينت أن بعض الطلبة يعتقدون أن تحمل الألم هو الطريق لإثبات الذات والانتماء للصداقة.

توعية دائمة

بدورها أكدت التربوية شمسة الظنحاني، أن المدارس لا تغيب عن مواجهة هذه الظواهر، مشيرة إلى وجود توعية دائمة داخل البيئة المدرسية بشأن مخاطر الترندات السلبية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن نهجها التربوي اليومي، وموضحة أن هذه التوعية تقدم من خلال حصص التوجيه والإرشاد، والأنشطة الصفية، والرسائل التثقيفية، وتهدف إلى تعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للمنصات الرقمية، وتنمية وعي الطلبة بحدود المزاح والمسؤولية الفردية.

وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب التوعية، بل في سرعة ظهور الترندات وتجددها بشكل يفوق أحياناً قدرة البرامج التقليدية على ملاحقتها، مضيفة إن بعض الظواهر تنتشر خارج أسوار المدرسة ثم تنتقل بسرعة إلى الطلبة، ما يتطلب تطوير أدوات التوعية وربطها بشكل مباشر بواقعهم اليومي.

وبدورها، أكدت التربوية إيمان مصطفى أن التوعية داخل المدارس تركز على بناء وعي نقدي لدى الطلبة، يمكنهم من التمييز بين المحتوى الآمن والمحتوى المؤذي، بعيداً عن التهويل أو التخويف، مع توفير بيئة آمنة تشجع الطلبة على الإبلاغ عن أي سلوك ضار دون خوف أو إحراج.

واعتبرت أن ترند «سكب الشاي على اليدين» لا يمكن تنفيذه في المدرسة ولكن يسهل تنفيذه في المنزل لذلك على أولياء الأمور مراقبة أبنائهم عندما يكونون مجتمعين مع أصدقائهم بالإضافة إلى توعيتهم بأهمية وخطورة هذا الترند الذي يسبب حرقاً ويمكن أن يصيب متبع الترند بتشوه دائم في يديه.

مهارات الرفض

ومن جهتها قالت الاختصاصية النفسية الدكتور آمال عبدالمولى، إن هذه الترندات تستغل مرحلة عمرية حساسة يكون فيها المراهق أكثر تأثراً بآراء الآخرين وحاجته للقبول الاجتماعي، مؤكدة أن بعض الطلبة يدركون خطورة الفعل، لكنهم يفضلون تحمل الألم على مواجهة الرفض أو العزلة، وخاصة في ظل وجود تصوير ونشر للمقاطع. وأضافت إن استمرار مثل هذه السلوكيات يفتح الباب أمام أنماط أكثر خطورة من إيذاء الذات، إذا لم يتم التعامل معها مبكراً، مشددة على أهمية تدريب الطلبة على مهارات الرفض، وتعليمهم كيفية الخروج من المواقف الضاغطة بثقة ودون شعور بالذنب.

من جهته، يرى مروان حامد، مرشد اجتماعي وأكاديمي، أن ما يحدث في بعض هذه التحديات لا يمكن وصفه بالمزاح البريء، بل يندرج ضمن التنمر الجماعي المقنع، موضحاً أن دور المرشد يتمثل بأن يتابع عن كثب كل ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي ويقوم بإعداد تقرير وتعميمه على المعلمين لتوعية الطلبة بمخاطر هذه الترندات، وذلك حتى لا تكون المدارس في معزل عما يتعرض له الطالب في العالم الرقمي.

وأشار إلى أن بعض الطلبة يشاركون في هذه الترندات خوفاً من فقدان أصدقائهم، وليس بدافع التسلية، ما يجعل الأذى النفسي مضاعفاً، مؤكداً أن المواجهة الحقيقية تتطلب تغيير ثقافة الاستهزاء بالألم، وإعادة تعريف معنى الصداقة والدعم داخل العلاقات الاجتماعية.

تشوهات

وحذر الدكتور خالد سالم النعيمي، استشاري الأمراض الجلدية والتجميل والليزر من الاستهانة بالحروق الناتجة عن الشاي أو السوائل الساخنة، مؤكداً أن درجة حرارة الشاي كافية لإحداث حروق من الدرجة الأولى أو الثانية خلال ثوانٍ قليلة، موضحاً أن جلد اليد يعد من أكثر المناطق حساسية، لاحتوائه على عدد كبير من الأعصاب، ما يجعل أي إصابة فيه مؤلمة وقد تؤثر في الإحساس أو الحركة.

وأكد أن بعض الحروق قد تبدو بسيطة في البداية، لكنها قد تترك تصبغات أو ندبات دائمة إذا لم تعالج بشكل صحيح، مضيفاً أن العبث بمكان الحرق أو استخدام وصفات غير طبية يزيد من خطر الالتهابات، وقد يؤدي إلى مضاعفات تحتاج فترة علاج أطول. وشدد على ضرورة مراجعة الطبيب فور ظهور فقاعات أو تغير لون الجلد أو استمرار الألم، مؤكداً أن تجاهل الإصابة بدافع الخجل أو التحدي لا يقلل من خطورتها، بل قد يفاقم آثارها الصحية والنفسية.

شاركها.