مع تغير أنماط الحياة وتسارع وتيرتها، لا تزال الذاكرة المجتمعية تحتفظ بصورة «فوالة» الصباح والمساء، التي كانت تجمع أهل الحي والعائلة في المجالس والبيوت، وتشكل مساحة يومية للتواصل وتعزيز التلاحم المجتمعي، ومع ازدياد الانشغال بالعمل والاعتماد المتنامي على وسائل التواصل الرقمية تراجع حضور هذه العادة، مقابل شعور عام بالحنين إلى تلك اللقاءات، التي أسهمت في بناء علاقات إنسانية قريبة، وبيئة اجتماعية أكثر تماسكاً.

ولا يزال هذا الحنين حاضراً لدى كثيرين، ممن يرون أن فوالة الصباح والمساء والتجمعات الاجتماعية لم تكن مجرد ضيافة، بل أسلوب حياة يعكس بساطة المجتمع وقرب أفراده من بعضهم، ويسهم في تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، وطالبوا بإعادة إحياء هذه العادة ودعمها من خلال مبادرات مجتمعية نوعية، تشجع على اللقاء والتواصل، وتواكب في الوقت ذاته متطلبات الحياة الحديثة.

وتبرز مريم علي الظهوري، كونها إحدى الشخصيات التي لا تزال محافظة على فوالة الصباح والمساء وثقافة التجمع، إذ تحرص على فتح باب بيتها يومياً لأهل الحي والعائلة، وتوضح أن «البيت المفتوح» يمثل مساحة للتواصل والاطمئنان وتبادل الأحاديث، ويسهم في ترسيخ قيم الكرم والتواصل، مشيرة إلى أن استمرار هذه التجمعات يعزز شعور الانتماء، لا سيما لدى الأجيال الأصغر سناً.

من جانبها، ترى عائشة سعيد، أن التجمعات التي كانت تجمع أهل الحي والعائلة في السابق اتسمت بالعفوية والبساطة، من دون ترتيب مسبق أو دعوات رسمية، ما جعل العلاقات أكثر قرباً. وتشير إلى أن هذه العادة بدأت تتراجع مع ضغوط العمل، وكثرة الالتزامات اليومية، معتبرة أن غياب هذه اللقاءات انعكس سلباً على مستوى التواصل الاجتماعي بين الناس، وترى أن عودة هذه العادات تحتاج إلى دعم ومبادرات، تتناسب مع نمط الحياة الحالي، وتسهم في تعزيز روح الجيرة والتلاحم بين أفراد المجتمع.

أما فاطمة علي الغاوي، فتوضح أن هذه التجمعات لم تختفِ تماماً، لكنها أصبحت محدودة ومحصورة في بعض البيوت أو المناسبات، وتؤكد أن اللقاءات التي كانت تجمع أهل الحي لعبت دوراً مهماً في تعزيز روح الجيرة والتعاون، مشيرة إلى أن إعادة إحياء هذه العادة، حتى وإن كانت بوتيرة أقل، قد تسهم في إعادة الدفء إلى العلاقات الاجتماعية.

وتشير فاطمة عبدالله أحمد، إلى أن تغير نمط الحياة والاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي كانا من أبرز أسباب تراجع هذه التجمعات، موضحة أن التواصل عبر الهواتف لا يمكن أن يعوض اللقاء المباشر، وتؤكد أن هذه اللقاءات كانت تمثل فرصة مهمة لالتقاء الأجيال المختلفة، ونقل القيم والعادات الاجتماعية بطريقة طبيعية.

وفي ظل هذا التراجع برزت مبادرات مجتمعية تسعى إلى إحياء هذه العادة، من بينها مبادرة «غداء دبي»، التي تهدف إلى تعزيز الترابط الاجتماعي عبر لقاءات تقام في مجالس الأحياء وتجمع الأهالي، تأكيداً لدور المجالس في إحياء القيم الإماراتية الأصيلة، وبناء نسيج اجتماعي قائم على الجوار والمحبة، وذلك ضمن استعدادات دبي لعام الأسرة 2026، كما يأتي إطلاق موسم «الولفة» كونها مبادرة مجتمعية، تهدف إلى تعزيز الروابط الأسرية والاحتفاء بالمناسبات الاجتماعية والثقافية الإماراتية، وإحياء الموروث المحلي، من خلال مناسبات تتجسد فيها قيم الترابط والتآلف والبركة، بما يعكس أهمية اللقاء والتواصل في حياة المجتمع، ويعيد للتجمعات الاجتماعية دورها في تعزيز المودة والانسجام بين الأفراد.

شاركها.