11:32 ص
الأحد 24 أغسطس 2025
لم يكن فوز الدكتور مجدي حسن بمنصب نقيب البيطريين مفاجئًا، فقد جاء تتويجًا لمسيرة حافلة بالنجاحات والإنجازات جعلت البيطريين يرونه رمزًا للأمل المفقود وصوتًا قادرًا على إعادة المهنة إلى مكانتها كركيزة أساسية في المنظومة الصحية والاقتصادية بمصر.
ومنذ تقلّده منصب النقيب دبت الحياة في أركان النقابة، وبلغت آمال البيطريين العنان في تحسّن أحوالهم، وأصبح التفاؤل بما هو قادم عنوان المرحلة الحالية. ولِمَ لا، وقد ارتقى لرئاسة النقابة أحد أهم أعلام الطب البيطري في مصر والوطن العربي، وأبرز المستثمرين في الصناعة وأقام صروحًا اقتصادية عملاقة تجعل من قصة صعوده كرجل عصامي مرجعًا لمن أراد النجاح والتميّز، وأصبحت نجاحاته ملهمةً لنا جميعًا.
لم يأتِ ترشّح الدكتور مجدي حسن بحثًا عن منصب أو جاه، فقد تقلّد من قبل مناصب رفيعة ومؤثرة، كما لم يكن مدفوعًا برغبة في ملء فراغ وقتي؛ فالرجل بالكاد يجد وقتًا شاغرًا في جدول أعماله المزدحم، وإنما الدافع الحقيقي هو الشعور بالمسؤولية تجاه مهنة أعطته الكثير وواجب ردّ الجميل لزملائه البيطريين الذين طالما اعتبروه رمزًا وقدوة. ويرى أن بوسعه فعل الكثير من أجل وضع النقابة في مكانتها التي تستحقها وتصحيح مسار عملها لتصبح عضوًا فاعلًا ومؤثرًا في الجمعية العمومية لاتحاد المهن الطبية.
وهو يؤمن أنه لا مناص من استعادة هيبة الطبيب البيطري ووضعه على قدم المساواة مع أقرانه في اكتساب الحقوق داخل الاتحاد. ولن أُبالغ إن قلت إنه ينبغي على نقيب البيطريين النحت في الصخر لتحقيق هذه الأهداف، ولمَ لا في ظل رغبة كثير من الجهات بألّا تقوم للنقابة قائمة؟ بل إن بعض الجهات المنوط بها دعم هذا الكيان ومدّ يد العون له لا يروق لها أن تكون النقابة قوية وغنية بمواردها، فيقفون حائلًا دون ذلك، ويعملون بكل ما أوتوا من قوة ونفوذ وسلطان لدفعها نحو الانحراف عن مسار عملها السليم وتغييب دورها الفعّال عمدًا في المشاركة بالاقتراحات والرقابة والمتابعة كعضو جمعية عمومية وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة لعملها، لِتُراد لها أن تظل منكمشة على مشاكل واضطرابات داخلية مصطنعة.
لم يتأخر الدكتور مجدي حسن في ترجمة وعوده إلى خطوات عملية، إذ نجح في انتزاع قرار بتعيين نحو خمسة آلاف طبيب بيطري كمرحلة أولى، إلى جانب إعادة هيكلة النقابة ماليًا وإداريًا بما يتماشى مع رؤية الدولة في الرقمنة والحوكمة. وبرغم شح الموارد المالية، ارتقى بمستوى الخدمات المقدمة للأعضاء، وبدأ تنفيذ مشروعات لتعزيز الاستدامة المالية، كما حرص على أن تخرج فعاليات النقابة بالشكل اللائق الذي يعكس عراقتها.
وفي ظل ظروف مالية صعبة وموارد شحيحة، استطاع أن يرتقي بمستوى الخدمات الطبية والاجتماعية والمالية لأعضاء نقابته، والعمل على مشاريع جارية لتعزيز موارد النقابة المالية واستدامتها. ورأينا جميعًا حرصه الدائم على أن تخرج مناسبات النقابة وفعالياتها بالشكل اللائق الذي يعكس عراقتها ومكانتها تنظيمًا وحضورًا. كل هذا وأكثر ليس إلا إيذانًا بعودة نقابة البيطريين ككيان فعّال ومؤثر في المشهد النقابي والمجتمعي.
ولكن، للأسف، يبدو أن هذه العودة تُزعج البعض – وقد تجلّى ذلك ورأيناه بأعيننا وعلى شاشات المواقع الإلكترونية حين طالب نقيب البيطريين إدارة الاتحاد بإصلاحات مالية وإدارية شاملة تحفظ المال العام وتحقق مزيدًا من الشفافية في أوجه الصرف والمحاسبة بما يتماشى مع سياسة الدولة في الحوكمة والرقابة. وهو ما قوبل بالرفض والصياح والتهديد والوعيد والاشتباك العلني من البعض.
وبرغم محاولات الترهيب النفسي والمعنوي الذي تعرّض له، لم يتراجع نقيب البيطريين عن موقفه أو مطالبه، بل عقد العزم على المضيّ قدمًا في طريقه ونضاله من أجل حماية المال العام وتعظيم الاستفادة من أصول وموارد اتحاد المهن الطبية بما يعود بالنفع والخير على أعضاء النقابات وزيادة مواردها، مدعومًا بثقة زملائه الذين اصطفوا خلفه صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، رافعين شعار: “الحقوق لا تُوهب بل تُنتزع”، مؤمنين أن قوتهم في وحدتهم وأن نقيبهم يقودهم بثبات نحو مستقبل أفضل.
إن التاريخ لا يرحم، والمستقبل لا ينتظر، ونقابة البيطريين لن تعود إلى الظل ما دام على رأسها أحد شيوخها العظام. ولا يراودني شك في عودتها مرة أخرى عصيّة على كيد الكائدين، منيعة ضد مكر الماكرين، ولكن عليكم بالصبر حتى نجني حصاد ما زرعه الشرفاء منكم، لأن ما هُمِّش وجُرِف مع سبق الإصرار لعقود لن يعود بين ليلة وضحاها.

