طرحت جلسة «هل يُقاس التعليم بالسنوات أم بالمهارات؟»، التي عُقدت ضمن أعمال القمة العالمية للحكومات في دبي، نقاشًا معمّقًا حول التحولات الجذرية التي يشهدها التعليم عالميًا، في ظل تسارع التطور التكنولوجي، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتغيّر متطلبات سوق العمل، مع التأكيد على أن مستقبل التعليم لم يعد مرتبطاً فقط بعدد السنوات الدراسية أو الشهادات الأكاديمية، بل بقدرة الفرد على اكتساب المهارات، وبناء الشخصية، وخوض تجارب إنسانية حقيقية تصنع الفارق في حياته المهنية والاجتماعية.
وشارك في الجلسة الأمير إدوارد، دوق إدنبرة، وعدل خان، الرئيس التنفيذي لمنصة MagicSchool AI، فيما أدارت الحوار الإعلامية إيليني جيوكوس من شبكة CNN، وسط حضور من صناع القرار والخبراء والمعنيين بملفات التعليم والمهارات المستقبلية.
وعكست الجلسة توافقًا واضحًا مع رؤية دولة الإمارات في إعادة صياغة مفهوم التعليم بوصفه تجربة متكاملة، لا تقوم فقط على المناهج والامتحانات، بل تمتد إلى تنمية المهارات، وبناء الإنسان، وتعزيز التعلم العملي والتجريبي.
وأشار المتحدثون إلى أن الإمارات تُعد من الدول السباقة في فتح نقاشات عالمية حول مستقبل التعليم، ودمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية بوعي ومسؤولية، مع الحفاظ على الدور المحوري للمعلم والعلاقة الإنسانية داخل الصف الدراسي.
وأكد الأمير إدوارد، دوق إدنبرة، أن التعليم لا ينبغي أن يُقاس بعدد السنوات الدراسية فقط، بل بمدى ما يكتسبه الشاب من مهارات وخبرات حياتية، خاصة في المرحلة العمرية بين 14 و24 عامًا، والتي وصفها بأنها مرحلة مفصلية في تشكيل الشخصية وبناء القيم واكتشاف الذات.
وأوضح أن البرامج غير النظامية، وعلى رأسها جائزة دوق إدنبرة الدولية، تستهدف الوصول إلى الشباب أينما وجدوا، سواء داخل المدارس أو الأندية أو مراكز الشباب، بهدف منحهم مساحات حقيقية للتجربة، والتعلم بالممارسة، واختبار قدراتهم بعيدًا عن الإطار التقليدي للفصل الدراسي.
وأشار الدوق إلى أن التعليم النظامي يظل ضروريًا لتوفير المعرفة والمؤهلات الأكاديمية، لكنه وحده لا يكفي لإعداد الشباب للحياة العملية، موضحًا أن أصحاب العمل لم يعودوا يركزون فقط على الشهادات، بل يسألون عن التجارب، والقدرة على الالتزام، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.
وأكد أن الأنشطة غير الصفية، مثل الرياضة، والفنون، والعمل التطوعي، تُمكّن الشباب من اكتساب مهارات أساسية، من بينها التواصل، والقيادة، والانضباط، والمرونة، وهي مهارات لا تُقاس بالدرجات لكنها تصنع الفارق الحقيقي في المسار المهني.
الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للمعلم
من جانبه، أوضح عدل خان، الرئيس التنفيذي لمنصة MagicSchool AI، أن المخاوف من استبدال المعلمين بالذكاء الاصطناعي غير واقعية، مؤكدًا أن التعلم الحقيقي يقوم على العلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب.
وأشار إلى أن منصة MagicSchool AI صُممت لدعم المعلمين عبر أدوات ذكية تختصر الوقت، وتساعدهم على تصميم مهام تعليمية قائمة على المشاريع، وتجارب تعلم أكثر ارتباطًا بواقع الطلبة واهتماماتهم، بما يسهم في رفع جودة التعليم دون المساس بجوهره الإنساني.
التعليم الآمن للذكاء الاصطناعي
وحذّر خان من ترك الطلبة يكتشفون الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن الإشراف التربوي، مؤكدًا أهمية أن تكون المدرسة البيئة الأولى التي يتعرف فيها الطالب على هذه التقنيات، تحت إشراف معلم مؤهل يوضح الفوائد والمخاطر، ويعزز الوعي الرقمي والنقدي.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُقدم للطلبة باعتباره أداة مساعدة، وليس كيانًا بشريًا، مع ضرورة ترسيخ مفهوم أن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل التفاعل الإنساني.
سد الفجوة التعليمية
وتطرقت الجلسة إلى التحديات التي تواجه بعض الدول في توفير تعليم نوعي لشبابها، حيث شدد الدوق إدوارد على أن الاستثمار في التعليم الشامل والمتوازن يمثل شرطًا أساسيًا للتنمية، خاصة في الدول ذات الكثافة الشبابية العالية.
وأكد أن التركيز على المهارات، وليس فقط على النظم التقليدية، قد يسهم في تمكين الشباب عالميًا، وإعدادهم للمشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي المتغير.
مهارات المستقبل
وحول المهارات المطلوبة في المستقبل، أشار خان إلى أن القدرة على حل المشكلات، والتواصل الفعّال، والمرونة، تمثل جوهر القيادة الحديثة، داعيًا إلى تعليم البرمجة كلغة أساسية لفهم منطق التكنولوجيا، حتى لمن لا ينوون العمل في المجال التقني.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن مستقبل التعليم يكمن في تحقيق توازن ذكي بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على التكيف وصناعة الفرص.
