الذكاء الاصطناعي يستحوذ على الإنترنت… وعلى البيانات الشخصية

بدأ العام الجديد بشهد ملايين المستخدمين لخدمات «غوغل» تكامل أدوات لم يطلبوا استخدامها، حيث بدأ مساعد «غوغل» الذكي «جيميناي» بتلخيص رسائلهم الإلكترونية تلقائياً. هذا التحول يأتي بعد عامين من دمج «غوغل» لملخصات الذكاء الاصطناعي في أعلى نتائج البحث دون خيار تعطيلها، مما يعكس استراتيجية مشابهة لتلك التي تتبعها «ميتا» بدمج روبوت الدردشة الخاص بها «ميتا إيه آي» في تطبيقاتها الاجتماعية.

يشكل هذا الاستحواذ غير المعلن للذكاء الاصطناعي على الإنترنت تغييراً كبيراً في تجربة المستخدم. أصبح الإنترنت مخصصاً بشكل متزايد لكل فرد، حيث تُعرض إعلانات ونصائح وأسعار منتجات بناءً على تفاعلات المستخدم مع روبوتات الدردشة، وغالباً دون وجود خيار لمنع هذه العمليات. ترى ساشا لوتشيوني، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أن هذه الأدوات تُسوّق على أنها قوية، لكن خيارات التحكم فيها محدودة، مما يضع عبء الانسحاب على المستخدم مع عدم وضوح آلياته.

مخاوف من سطوة الذكاء الاصطناعي على خصوصية المستخدم

تدّعي شركات التكنولوجيا أن تركيزها ينصب على تطوير «مساعدين» مدعومين بالذكاء الاصطناعي لتمكين المستخدمين، عبر تقديم تجربة إنترنت فريدة تلبي احتياجاتهم. ومع ذلك، تتعارض هذه الاستراتيجية مع آراء المستخدمين؛ إذ أظهر استطلاع لمركز «بيو» أن أغلبية الأميركيين يشعرون بقلق أكبر من حماسهم تجاه الذكاء الاصطناعي، ويرغبون في مزيد من التحكم في استخدامه.

ردت «غوغل» بأن البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي وجدته الشركات مفيداً، وأنها توفر خيار تصفية النتائج المولدة بالذكاء الاصطناعي، إلا أن استخدامه ضئيل. من جهتها، أوضحت «ميتا» أن التفاعل مع مساعدها اختياري، لكنه مدمج بشكل يصعب تجنبه في بعض التطبيقات.

الذكاء الاصطناعي: محرك اقتصادي جديد للإعلانات الموجهة

يثير الإصرار على دمج الذكاء الاصطناعي، مع خيارات تعطيل محدودة، تساؤلات حول الفوائد الحقيقية للشركات. نماذج الذكاء الاصطناعي مكلفة في التشغيل، ولم تحقق أرباحاً مباشرة عبر الاشتراكات. لذا، تسعى الشركات لبناء اقتصاد إعلاني رقمي جديد يستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي لتخصيص الإعلانات والخصومات تلقائياً.

بدأت «أوبن إيه آي» في عرض الإعلانات في النسخة المجانية من «تشات جي بي تي»، استناداً إلى أسئلة المستخدمين. ورغم نفي «غوغل» لخطط مماثلة في «جيميناي»، إلا أنها تستخدم تفاعلات المستخدمين مع مساعدها لتقديم إعلانات على «غوغل.كوم».

اختراق خصوصية البيانات عبر الذكاء الاصطناعي

في ظل تشديد قيود خصوصية البيانات، طورت شركات التكنولوجيا طرقاً جديدة لاستهداف المستخدمين بالإعلانات دون مشاركة بياناتهم الشخصية مع جهات خارجية. مع ظهور روبوتات الدردشة، وجدت الشركات فرصة لتشجيع المستخدمين على مشاركة بياناتهم طواعية عبر واجهة المحادثة التفاعلية.

يُعتقد أن استخدام روبوتات الدردشة لجمع معلومات تفصيلية عن اهتمامات الأفراد يجعل الإعلانات الرقمية أكثر تدخلاً. كما يمكن أن تؤثر المعلومات المستقاة من محادثات الذكاء الاصطناعي على أسعار المنتجات التي يراها المستخدمون. كشفت «غوغل» عن أداة تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تعتمد على بيانات المستهلكين لتحديد الأسعار، وهو ما وصفته منظمة «غراوند وورك كولابوريتيف» بأنه مثال على «رأسمالية المراقبة».

تحديات التحكم في الذكاء الاصطناعي

انتقدت شركات أصغر، مثل «موزيلا» و«دك دك جو»، ضعف تحكم المستخدمين في استخدام الذكاء الاصطناعي. أعلنت «موزيلا» عن أدوات تحكم جديدة في متصفح «فايرفوكس» لتمكين أو تعطيل ميزات الذكاء الاصطناعي. وأطلق «دك دك جو» ميزة لتصفية النتائج المولدة بالذكاء الاصطناعي، حيث عارض 90% من المستخدمين استخدامه.

ومع ذلك، يظل تجنب الذكاء الاصطناعي المدمج في منتجات «غوغل» و«ميتا» صعباً، نظراً لتغلغل خدماتهما في حياة المستخدمين اليومية. ويستخدم ما يقارب 44% من سكان العالم منتجاً واحداً على الأقل من منتجات «ميتا» يومياً، بينما تحافظ «غوغل» على حصة سوقية كبيرة في البحث العالمي.

ماذا بعد؟

يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي وحماية خصوصية المستخدم. من المتوقع أن تستمر شركات التكنولوجيا في تطوير دمج الذكاء الاصطناعي في خدماتها، مع احتمالية ظهور تشريعات جديدة لتنظيم استخدامه، خاصة فيما يتعلق بجمع البيانات الشخصية. يبقى المستهلكون والمشرعون في ترقب لأي تطورات قد تحدد مستقبل الإنترنت.

شاركها.
Exit mobile version