الرياض – أكدت شركة ‎“ServiceNow”‎ أن عصر المساعدات الذكية في الشركات أصبح من الماضي، معلنةً عن تحول جذري نحو “القوى العاملة الذاتية” التي تتولى تنفيذ المهام بشكل مستقل ضمن سير العمل. يأتي هذا التحول ليغير مفهوم الإنتاجية وآليات عمل المؤسسات، مع التركيز على التنفيذ الفعلي بدلاً من مجرد تقديم المساعدة.

وفي تصريحات لـ”الشرق الأوسط”، أوضح الدكتور ضاري أبوحيمد، نائب الرئيس الإقليمي لقسم استشارات الحلول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى ‎“ServiceNow”‎، أن هذا الانتقال لا يتعلق بقدرات النماذج الذكية فحسب، بل بتحول جوهري في المسؤولية والمساءلة. فبدلاً من مساعد للموظفين، بات الذكاء الاصطناعي ينفذ المهام بشكل كامل، متجاوزًا مرحلة التوصية إلى مرحلة التنفيذ الموثوق.

من المساعدة إلى التنفيذ: ثورة في سير العمل

يشير أبوحيمد إلى أن هذا التحول “تغيير هيكلي” وليس مجرد تطوير تدريجي، حيث تنتقل أنظمة الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم المعلومات إلى إنجاز المهام بشكل مستقل، مما يؤثر على طريقة توزيع العمل، وتصعيد الاستثناءات، وقياس النتائج، وفرض الحوكمة. وتعتبر ‎“ServiceNow”‎ أن 90% من طلبات الدعم التقني من المستوى الأول تُحل ذاتيًا بفضل هذه التقنيات، وهو ما يعكس تجاوز مرحلة “المساعد” إلى مرحلة “المنفذ”.

ويؤكد أبوحيمد أن تحول ميزانيات المؤسسات دليل واضح على نضج الذكاء الاصطناعي، حيث تتجه الشركات من تمويل التجارب الأولية إلى الاستثمار في النتائج الفعلية، مع تزايد الاهتمام بالمسؤول عن النتائج عند تنفيذ المهام عمليًا.

النمو يقود التنفيذ: إشارات قوية من السوق

شهدت ‎“ServiceNow”‎ نموًا هائلاً في استهلاك أدواتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع توقع تجاوز قيمة عقود منتجاتها التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي المليار دولار في عام 2026. وتدير المنصة أكثر من 80 مليار سير عمل سنويًا، مما يشير إلى انتقال الذكاء الاصطناعي المؤسسي إلى مرحلة تتطلب قدرات تنفيذية وحوكمة وثقة عالية.

تظهر هذه التحولات بوضوح في مجالات مثل تقنية المعلومات والموارد البشرية، نظرًا لحجم المعاملات المرتفع وتوقعات الخدمة الواضحة والعمليات المتكررة. ويرى أبوحيمد أن هذه المجالات هي الأنسب للبدء في تطبيق التنفيذ الذاتي لسهولة قياسه وضمان حوكمته.

التحول في المملكة: توافق مع رؤية 2030

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في السياق السعودي، حيث تشهد تطبيقات مثل شركة ‎“STC”‎ تحولًا جذريًا في سرعة تنفيذ طلبات تقنية المعلومات، من أسابيع إلى ساعات. كما أن توحيد 3 وزارات في وزارة واحدة على منصة تخدم ملايين المستفيدين يعكس كيف تتقاطع أتمتة سير العمل والحوكمة مع أهداف التحول الحكومي.

ويربط أبوحيمد هذا التحول بشكل مباشر بأجندة تحول القوى العاملة في “رؤية 2030″، مشيرًا إلى استثمار ‎“ServiceNow”‎ البالغ 500 مليون دولار في السعودية، مما يعكس توافقًا هيكليًا مع التحول الوطني وإعادة تصميم القوى العاملة.

إعادة تعريف الإنتاجية: جودة التنفيذ والقرار

يُعاد تعريف مفهوم الإنتاجية ليتمحور حول جودة المخرجات، وسرعة اتخاذ القرار، ومدى فعالية تصعيد القرارات إلى المستويات الأعلى، بدلًا من عدد المهام المنجزة. ويسهم الذكاء الاصطناعي في “رفع مستوى القوى العاملة” عبر تقليل الأعمال التكرارية، مما يفرغ الموظفين للأدوار التي تتطلب الحكم والإبداع والاستراتيجية، تماشيًا مع طموحات المملكة لبناء كفاءات عالية القيمة.

تستقر العلاقة المستقبلية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على تقسيم واضح للعمل؛ حيث يتولى الذكاء الاصطناعي التنفيذ، بينما يحتفظ الإنسان بالمسؤولية عن الحكم الأخلاقي وفهم سياق أصحاب المصلحة والقرارات ذات المساءلة طويلة الأجل.

الحوكمة تبني الثقة: أساس التوسع

تؤكد ‎“ServiceNow”‎ أن بناء الثقة في الذكاء الاصطناعي المؤسسي يبدأ من طبقة سير العمل نفسها، وليس بإضافته لاحقًا. يجب أن تتضمن أنظمة الذكاء الاصطناعي الذاتية الرؤية والتحكم والمساءلة بشكل مدمج، لضمان تتبع كل قرار وقابليته للتدقيق والعكس عند الضرورة. لذا، فإن تحديات التوسع تكمن في بناء النظم وسير العمل، وليس فقط في جودة نماذج الذكاء الاصطناعي.

يشير تقارير إلى أن الأمن والامتثال والتحكم في البيانات هي أبرز العوائق أمام توسيع الذكاء الاصطناعي الذاتي، وأن بعض التجارب في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تتعثر لسبق التبني للحوكمة. وتواجه الشركات العالقة في مرحلة التجارب غالبًا “مشكلة حوكمة، لا مشكلة تقنية”، خاصة فيما يتعلق بملكية القرارات التي تعبر حدود الوظائف.

لم يعد الأمر يتعلق ببرمجيات أذكى، بل بقدرة المؤسسات على بناء طبقات سير العمل والحوكمة والملكية الكافية لمنح الذكاء الاصطناعي الثقة لتنفيذ العمل الحقيقي. وتتوقف مرحلة التجارب عندما يتمكن شخص من وضع اسمه على النتيجة المسؤولة.

شاركها.
Exit mobile version