في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، أصبحت حياتنا اليومية أشبه بشبكة معقدة من الأدلة الرقمية. فكل تفاعل مع الأجهزة الذكية، من الهواتف إلى السيارات، يترك بصمة رقمية يمكن استخدامها لتتبع تحركاتنا وسلوكياتنا. يكشف كتاب جديد بعنوان “بياناتك ستُستخدم ضدك: العمل الشرطي في عصر المراقبة الذاتية” للمؤلف أندرو غوثري فيرغسون، أستاذ القانون، عن كيفية تحوّل “إنترنت الأشياء” إلى شبكة مراقبة واسعة، تحول أجهزتنا الشخصية إلى أدوات استخبارات رقمية.

يتناول الكتاب مفهوم “المراقبة الحسية” (مراقبة أدوات الاستشعار)، موضحًا كيف تُعيد جهات إنفاذ القانون توظيف التكنولوجيا الاستهلاكية لتصبح أدوات فعالة في التحقيقات. يسلط الضوء على أمثلة واقعية، مثل استخدام بيانات الهواتف الذكية لتحديد هوية مشتبه به في عملية سطو على بنك، واعتماد بيانات سيارة ذكية لتحديد سائق في حادث مروري.

المراقبة الحسية: تحويل الأجهزة إلى أدوات استخبارات

يُعرف “إنترنت الأشياء” (IoT) باتصال الأجهزة اليومية بالإنترنت، مما يسمح لها بجمع البيانات وتبادلها. فالدراجة الحديثة، على سبيل المثال، لا تقتصر وظيفتها على التنقل، بل يمكنها تتبع مسارك وحساب متوسط سرعتك. وهذا ينطبق على العديد من الأجهزة الأخرى، حيث تساهم المستشعرات المتصلة بالإنترنت في مراقبة البيئة المحيطة أو تتبع المنتجات عبر سلاسل التوريد.

ابتكر كيفن أشتون مفهوم “إنترنت الأشياء” في أواخر التسعينيات، مقترحًا إضافة علامات تعريف الترددات الراديوية (RFID) وأجهزة استشعار للأجهزة اليومية لجمع البيانات تلقائيًا. اليوم، تجاوز هذا المفهوم رؤيته الأولية ليشمل أجهزة استشعار مزودة بتقنيات الاتصال اللاسلكي مثل “واي-فاي” و”بلوتوث” وشبكات خلوية ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS). هذه المستشعرات الصغيرة منخفضة التكلفة تسجل بيانات دقيقة حول الحركة والحرارة والضغط والموقع، وقادرة على إجراء اتصال ثنائي الاتجاه.

شبكات مراقبة الهواتف المحمولة

تُعد الهواتف الذكية من أبرز مصادر البيانات للمراقبة. فشركات الاتصالات تتعقب مواقع الهواتف باستمرار باستخدام أبراج الاتصالات المحلية، وهذا الموقع المسجل كمعلومات موقع خلية الاتصال (CSLI) يمكن أن يكشف عن هوية المستخدم.

تزيد شركة “غوغل” من قدرتها على جمع البيانات من خلال خدماتها المتوفرة على معظم الهواتف الذكية. كانت “غوغل” تجمع بيانات الموقع من مصادر متعددة مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والبلوتوث وأبراج الاتصالات وعناوين IP وإشارات الواي-فاي لإنشاء نظام تتبع دقيق. وقد تلقّت “غوغل” آلاف الطلبات من جهات إنفاذ القانون للحصول على هذه المعلومات.

بيانات السيارات: سجلات رقمية متنقلة

تُعد السيارات الحديثة مصدرًا آخر للبيانات التي يمكن استخدامها كأدلة. فالسيارات المجهزة بأنظمة متقدمة يمكنها جمع معلومات عن سرعة السيارة، وتوقيت فتح الوسائد الهوائية، واستخدام المكابح، وموقعها وقت وقوع هذه الأحداث. كما يمكن توصيل الهواتف الذكية بالسيارات لسحب سجلات المكالمات، وقوائم جهات الاتصال، وبيانات وسائل التواصل الاجتماعي.

تشارك أنظمة القياس عن بُعد المدمجة في السيارات معلومات مع جهات خارجية. بالإضافة إلى المعلومات الشخصية المقدمة عند الشراء، تجمع شركات تصنيع السيارات بيانات حول كيفية استخدام السيارة، بما في ذلك السرعة والتسارع والكبح.

حماية الخصوصية في عصر المراقبة

تحولت المخاوف بشأن كمية المعلومات الشخصية التي يمكن كشفها من خلال المراقبة طويلة الأمد إلى واقع. فاليوم، لم تعد الشرطة بحاجة إلى زرع أجهزة تتبع، بل يمكنها الاعتماد على السيارات والهواتف لإنجاز ذلك.

تتطلب حماية الخصوصية خطوات تكنولوجية، مثل تخزين البيانات التي تولدها المستشعرات داخل الأجهزة نفسها بدلاً من تخزينها مركزيًا. ومع ذلك، حتى البيانات المخزنة محليًا يمكن الوصول إليها بموجب مذكرة قضائية. تكمن المعضلة في العصر الرقمي في صعوبة تجنب إنشاء البيانات، وإتاحتها للأغراض القانونية، مع احتمال إساءة استخدام هذه السلطة.

ماذا بعد؟

من المتوقع أن تستمر التكنولوجيا في التطور، مما يزيد من حجم البيانات المجمعة والقدرة على تتبع الأفراد. يبقى التحدي الرئيسي هو إيجاد توازن بين الاستخدامات القانونية لهذه البيانات وحماية الخصوصية الفردية، مع مراقبة التغييرات المحتملة في سياسات الشركات حول تخزين واستخدام البيانات.

شاركها.
Exit mobile version