يشهد العالم تحولاً جذرياً في طبيعة الجريمة السيبرانية، حيث أدى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إلى نمو هائل في الأنشطة الإجرامية، وصلت نسبته إلى 371%. هذا التطور، الذي وصفه ديمتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لشركة “غروب آي بي” (Group-IB)، بأنه “تحول جذري مختلف”، يعيد تشكيل مفهوم الجريمة الرقمية من نشاط يقوم على المهارات الفردية إلى صناعة قابلة للتوسع ومدعومة بتقنيات متقدمة.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح بنية تحتية أساسية للجريمة السيبرانية، وخاصة في مجالات الاحتيال والهندسة الاجتماعية. هذا التحول يقلل من حواجز الدخول للمجرمين، ويجعل الهجمات أسرع، وأكثر تعقيداً، وقدرة على التخصيص على نطاق واسع.
نمو هائل في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً
تجاوزت الجريمة السيبرانية، التي مرت بعقود من التطور، مرحلة الهواة لتصبح شبكات منظمة تستثمر في أحدث التقنيات. إلا أن الموجة الحالية، المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تمثل نقطة تحول كبرى. ويشرح فولكوف كيف أن “الذكاء الاصطناعي أزال عنق الزجاجة البشري”، مما يعني أن سرعة وكفاءة الهجمات لم تعد تعتمد على قدرة المجرمين على كتابة الأكواد أو تنسيق الجهود، بل أصبحت مؤتمتة وتتكرر بشكل فوري وعلى نطاق واسع.
هذا التبني المتزايد للذكاء الاصطناعي في الأوساط الإجرامية لم يقتصر على تسريع الهجمات، بل أحدث تغييراً هيكلياً في آلية تصميم الجرائم الرقمية وتسويقها وتنفيذها. وبحسب ما رصدته شركة “Group-IB”، ارتفعت النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في منتديات الإنترنت المظلم بنسبة 371% بين عامي 2019 و2025. وفي عام 2025 وحده، تم تسجيل أكثر من 23 ألف منشور أولي ومليون ونصف الرد، مما يؤكد انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد فضول إلى أداة إجرامية راسخة.
من المهارة البشرية إلى التوسع الآلي
تقليدياً، كانت الجريمة السيبرانية تعتمد بشكل كبير على الخبرات البشرية المتخصصة في تطوير البرمجيات الخبيثة، وصياغة رسائل التصيد، وتنفيذ هجمات الهندسة الاجتماعية. هذه المتطلبات كانت تحد من سرعة وانتشار العمليات الإجرامية. لكن بفضل الذكاء الاصطناعي، بات بوسع حتى المجرمين الأقل خبرة تنفيذ هجمات كانت تتطلب سابقاً مستوى عالٍ من التخصص، حيث أصبحت مهام مثل التقمص، والإقناع، والبرمجة، والاستهداف، مؤتمتة بالكامل أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل على مدار الساعة.
الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية إجرامية
تكمن الخطورة الحقيقية في تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية أساسية للجريمة. وفي مجالات مثل الاحتيال والهندسة الاجتماعية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد خيار، بل هو الأساس الذي تبنى عليه هذه العمليات. يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في توليد المحتوى، وتحديد الأهداف، وانتحال الهوية، والأتمتة. وتُباع الأدوات المعتمدة عليه عبر نماذج اشتراك منخفضة التكلفة، مما يقلل حواجز المهارة والمال أمام شريحة أوسع من المجرمين.
الجريمة كخدمة قابلة للتوسع
تشبه الأسواق الإجرامية اليوم شركات البرمجيات السحابية المشروعة، حيث يركز الفاعلون على الاحتفاظ بالعملاء، وسهولة الاستخدام، وقابلية التوسع. وعندما تُعامل الجريمة كمنتج، تصبح أكثر مرونة واستدامة وأصعب في التعطيل. وقد أدى الذكاء الاصطناعي إلى خفض عتبة المهارة المطلوبة لتنفيذ هجمات متقدمة، محولاً المهارات البشرية إلى خدمات متاحة عند الطلب.
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على زيادة حجم الهجمات فحسب، بل يعزز أيضاً واقعية انتحال الشخصيات، ويزيد من مستوى التخصيص الثقافي واللغوي، مما يجعل الهجمات أكثر إقناعاً وتأثيراً.
قابلية الهوية للبرمجة: أزمة ثقة في التحقق
من بين أخطر التحولات، تبرز الهجمات القائمة على الهوية، حيث أصبحت “الهوية قابلة للبرمجة”، مما يعني أن الصوت والوجه والوثائق يمكن تصنيعها وبيعها. يتحول الاحتيال بذلك من استغلال الأنظمة إلى استغلال الثقة، وتصبح الهوية بوابة للوصول إلى الأنظمة المالية. وقد وثقت “Group-IB” آلاف المحاولات لتجاوز أنظمة “اعرف عميلك” (KYC) باستخدام تقنيات التزييف العميق، مما كشف عن عدد كبير من الحسابات الاحتيالية.
تعتمد العديد من أنظمة التحقق الحالية على التحقق البصري أو الصوتي، وهي أنظمة صُممت قبل انتشار تقنيات التزييف العميق. لم تعد رؤية شخص أو سماعه دليلاً كافياً على هويته. وتوفر تقنيات مثل تحليل السلوك وذكاء الأجهزة وتقييم المخاطر دفاعاً أكثر فاعلية، حيث يمكنها كشف التناقضات التي يصعب على التزييف إخفاؤها. ومع ذلك، فإن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تترك آثاراً أقل، مما يجعل التحقيق الرقمي والاستجابة للحوادث أكثر أهمية.
فجوة تنظيمية تدعو للتعاون الدولي
لا تزال التشريعات متأخرة عن وتيرة التحولات التكنولوجية في مجال الجريمة السيبرانية. التنظيمات غير متسقة، ويستغل المجرمون الفجوات عبر الحدود. وفي منطقة الشرق الأوسط، لا يوجد حتى الآن قانون موحد لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالاستخدامات عالية المخاطر مثل انتحال الهوية والاحتيال. يدعو الخبراء إلى ضرورة إدراك أن الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي ليست حوادث منفصلة، بل هي نظام مترابط. يتطلب هذا الأمر وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن، وتعزيز التعاون الدولي، وتبني دفاعات قائمة على الاستخبارات لمواجهة التحديات المستقبلية.

