في خطوة استثنائية، قرر رئيس المجلس العسكري والرئيس الانتقالي لمالي، الجنرال آسيمي غويتا، تولي حقيبة وزارة الدفاع شخصيًا. يأتي هذا القرار بعد أسابيع قليلة من الاغتيال المروع لوزير الدفاع السابق، الجنرال ساديو كامارا، في هجوم بسيارة مفخخة استهدف منزله، في ظل تصاعد حاد للأزمة الأمنية التي تواجهها البلاد.
تتصارع مالي حاليًا مع هجمات منسقة تشنها جماعات متمردة مرتبطة بتنظيم “القاعدة” وانفصاليون من الطوارق. فقد تمكنت هذه الجماعات مؤخرًا من السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية في الشمال، بالإضافة إلى قاعدة عسكرية في تساليت، بعد انسحاب القوات المالية وحلفائها الروس. هذه الهجمات، التي تعد الأوسع نطاقًا منذ حوالي 15 عامًا، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، بينهم مدنيون وأطفال، وفقًا لتقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).
مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟
تُلقي التطورات الأمنية المتسارعة بظلالها على الاستقرار في مالي، مما دفع العديد من المراقبين إلى التساؤل حول دلالة قرار الجنرال آسيمي غويتا بتولي مسؤولية وزارة الدفاع إلى جانب رئاسته الانتقالية. هذا القرار، الذي صدر في مرسوم رئاسي، يمنح غويتا سلطة مباشرة على كافة جوانب الأمن والدفاع في البلاد، مع تعيين الجنرال عمر ديارا كوزير منتدب لدى وزير الدفاع، ليشغل مهام ميدانية.
يرى المؤيدون للمجلس العسكري أن قرار غويتا هو رسالة طمأنة للشعب المالي، مؤكدًا على إصرار القيادة على مواصلة الحرب ضد الإرهاب والتطرف، وعدم التراجع على الرغم من اغتيال وزير الدفاع السابق، الجنرال ساديو كامارا، الذي كان يُنظر إليه كرمز للقوة ومهندس الشراكات الأمنية مع روسيا.
تُشير بعض التقارير الإعلامية الموالية للمجلس العسكري إلى أن غويتا، كمن خاض المسار العسكري والحرب في الشمال مع كامارا، هو الوحيد القادر على ملء الفراغ الذي تركه. وتصف هذه التقارير خطوته بأنها “تظهر قوة القيادة”، وأنها تهدف إلى “توحيد سلسلة القيادة ومنع أي تشتت للسلطة” في زمن الحرب.
في المقابل، عبرت جهات معارضة للمجلس العسكري، رغم ضعف صوتها، عن قلقها من “تزايد النزعة السلطوية” لدى غويتا. وحذرت من “مركزية السلطة وتوحيد القيادتين السياسية والعسكرية”، خاصة في ظل غياب خطة واضحة للعودة إلى الوضع الدستوري وحل الأحزاب السياسية.
بعض المصادر، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، ربطت قرار غويتا بأن يكون وزير الدفاع نفسه، ووجود وزير منتدب، قد يعكس “انقسامات داخل الجيش وفقداناً للثقة في الحلفاء الروس” بعد الانتكاسات العسكرية الأخيرة.
بغض النظر عن المخاوف الداخلية، يرى مراقبون أن قرار غويتا يبعث برسالة واضحة إلى موسكو، مفادها التمسك بالشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا. سعياً لسد الفراغ الذي خلفه اغتيال كامارا، الرجل الذي بشر بالشراكة مع روسيا، قرر غويتا تولي الملفات الاستراتيجية بنفسه، بما في ذلك صفقات السلاح الارتباط الوثيق مع الفيلق Africa Corps الروسي.
يثير استحداث منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع، بدلاً من تعيين جنرال ذي خبرة واسعة في الشؤون الأمنية لمنصب الوزير مباشرة، تساؤلات حول وجود “أزمة ثقة” داخل المؤسسة العسكرية. تزايدت حالات الاعتقال على خلفية الهجمات الأخيرة، مما قد يعكس شعورًا بانعدام الثقة بين الأطراف العسكرية.
بحسب مصدر دبلوماسي، فإن غويتا “لم يعد يثق بأحد غير نفسه لتولي الدفاع”، وأنه لا يهتم بالانتقادات المتعلقة بمركزية السلطة، حيث أن هدفه الأول هو “أن يستعيد الجيش المبادرة أمام (القاعدة) والمتمردين”.
يبقى السؤال حول مستقبل مالي والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها، والتحركات القادمة للمجلس العسكري، وتأثير هذه القرارات على العلاقات الدولية للبلاد، خاصة مع روسيا، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة ستسهم في استعادة الاستقرار أم ستؤدي إلى تفاقم الأزمة.
