التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني
كشفت دراسة أميركية حديثة، أجرتها كلية الطب بجامعة ييل في كونيتيكت، عن أن التقدم في السن ليس بالضرورة مرادفاً للتدهور الحتمي في القدرات البدنية والذهنية، بل إن تبني معتقدات إيجابية حول الشيخوخة قد يؤدي إلى تحسينها. تشير هذه النتائج إلى أن الصورة النمطية السائدة حول الشيخوخة كعملية فقدان مستمر قد تكون غير دقيقة، وأن هناك مجالاً لتحسين الصحة في مراحل العمر المتقدمة.
تُظهر الدراسة، التي نُشرت في مجلة “طب الشيخوخة Geriatrics”، أن نسبة كبيرة من كبار السن لا يحافظون على قدراتهم المعرفية والبدنية فحسب، بل يظهرون تحسناً فعلياً فيها مع مرور الوقت. وربط الباحثون هذا التحسن بشكل كبير بالمعتقدات الإيجابية التي يحملها الأفراد تجاه الشيخوخة، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم وتعزيز عملية الشيخوخة الصحية.
تحسين القدرات المعرفية والبدنية عبر تغيير المفاهيم
تفترض العديد من المعتقدات الشائعة أن التقدم في العمر يؤدي حتماً إلى تراجع الذاكرة وبطء الحركة وفقدان الاستقلالية. وتفيد إحصائيات بأن حوالي 80% من الناس يعتقدون أن التدهور المعرفي جزء طبيعي من الشيخوخة، وهو ما يؤثر على نظرة المجتمع لكبار السن وعلى نظرتهم لأنفسهم. ورغم هذا الاعتقاد السائد، تشير أدلة متزايدة إلى أن بعض جوانب التدهور المرتبط بالشيخوخة قد تكون “أقل حتمية” مما كان يُعتقد سابقاً.
تؤكد الدراسة أن “القناعات الشخصية للفرد تجاه الشيخوخة” تلعب دوراً محورياً في أدائه البدني والعقلي مع تقدمه في السن. وبدلاً من التركيز على الشيخوخة كمرحلة تدهور، بحثت هذه الدراسة فيما إذا كان كبار السن يمكنهم تحقيق تحسن في صحتهم، وهل المعتقدات الإيجابية تجاه العمر ترتبط بهذا التحسن المحتمل.
وفقاً لنظرية تجسيد الصور النمطية (SET)، يستوعب الأفراد معتقدات إيجابية وسلبية حول العمر من مصادر بيئية مختلفة. وعندما تصبح هذه المعتقدات ذات صلة شخصية، فإنها يمكن أن تتنبأ بصحة معرفية وجسدية أفضل أو أسوأ. ومع دخول الأفراد مرحلة الشيخوخة، يزداد وعيهم بها، وتتحول معتقداتهم المتعلقة بالعمر من كونها تنطبق على الآخرين إلى تطبيقها على أنفسهم، مما يضخم من أهميتها وتأثيرها على نمطهم الصحي.
لتطبيق هذه النظرية، اختار الباحثون مشاركين من دراسة “الصحة والتقاعد” (HRS) طويلة الأمد. قامت الدراسة بقياس معتقدات العمر للمشاركين وتقييم وظائفهم الإدراكية (باستخدام المقابلة الهاتفية للحالة الإدراكية – TICS) وسرعة المشي (كمؤشر للوظائف البدنية). وتمت متابعة المشاركين لمدة تصل إلى 12 عاماً.
نتائج واعدة: تحسّن ملحوظ في القدرات
كشفت النتائج أن 45% من المشاركين شهدوا تحسناً في الإدراك أو سرعة المشي مع مرور الوقت، مما يؤكد أن التغييرات الصحية الإيجابية ليست نادرة في مراحل العمر المتقدمة. وتحسّن الأداء الإدراكي لدى 32% من المشاركين، بينما تحسّنت سرعة المشي لدى 28% منهم.
تُبرز هذه النتائج أن العديد من كبار السن يحافظون على قدراتهم أو يحسّنونها بدلاً من التدهور المستمر. كما أن التحسن في مراحل لاحقة من العمر أمر ممكن وشائع، والعوامل النفسية والثقافية، كالمعتقدات السائدة حول الشيخوخة، قد تؤثر بشكل كبير على كيفية تقدم الأفراد في العمر جسدياً ومعرفياً.
بشكل عام، تُظهر الدراسة أن الشيخوخة لا تؤدي بالضرورة إلى التدهور. وارتبطت المعتقدات الإيجابية تجاه الشيخوخة باحتمالية أكبر للتحسن، مما يشير إلى أن العقلية والمواقف الثقافية تجاه الشيخوخة يمكن أن تؤثر على المسارات الصحية في مراحل لاحقة. ولذلك، فإن تعزيز المواقف الإيجابية تجاه الشيخوخة قد يكون له آثار إيجابية على ممارسات الرعاية الصحية وسلوكيات الأفراد، لدعم كبار السن في الحفاظ على صحتهم ووظائفهم أو تحسينها.
ما بعد النتائج:
تتطلب هذه النتائج مزيداً من البحث لاستكشاف آليات تأثير المعتقدات الإيجابية على الصحة بشكل أعمق. كما أن تطوير برامج مجتمعية تهدف إلى تغيير الصورة النمطية السلبية للشيخوخة يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو تعزيز صحة كبار السن في المستقبل.

