كشفت تقارير حديثة أن اضطرابات القلق باتت ظاهرة متفشية، حيث يمرّ واحد من كل 4 أشخاص بمستوى سريري من القلق في حياته، ويعاني حوالي ربع السكان قلقاً شديداً في أي وقت. تشير هذه الأرقام، المستندة إلى أبحاث وتصريحات من جامعة لندن وهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) البريطانية، إلى أن ملايين الأشخاص في المملكة المتحدة يعانون من القلق أو حالات صحية نفسية مرتبطة به، مما يدفع إلى تزايد المخاوف بشأن تأثيره على سوق العمل والحياة اليومية.

يشير الخبراء إلى أن الزيادة في المحالات إلى خدمات العلاج بالكلام التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بنسبة 26% منذ عام 2018، مع توقع وصول الإحالات إلى 7 ملايين خلال السنوات الثلاث حتى نهاية 2025، تعكس مدى اتساع المشكلة. وعلى الرغم من توفر الدعم، لا يزال الملايين “يفوّتون الحصول على المساعدة.” وتُظهر التحذيرات أن “وباء” القلق يدفع بالكثيرين، خاصة في الثلاثينات والأربعينات من العمر، إلى “الانهيار الجارف” دون طلب المساعدة إلا في مراحل متقدمة.

القلق: فهم طبيعته وتأثيره

يوضح البروفيسور أوليفر روبنسون من جامعة لندن أن القلق، على عكس الحزن الذي قد ينتهي، هو استجابة طبيعية للجسم للخطر. لكن في حالات اضطرابات القلق، تصبح هذه الاستجابة مفرطة وغير متناسبة مع الموقف، حيث يمكن أن تنطلق بسبب مواقف اجتماعية، ضغوط المواعيد النهائية، أو حتى رؤية عنكبوت. وفي حين أن هذه المشاعر مألوفة لدى الجميع، فإن استمراريتها تعرقل بشكل كبير العمل، العلاقات الاجتماعية، الحياة الأسرية، والصحة العامة.

علاجات فعالة وتعديلات نمط الحياة

تتوفر علاجات فعالة لاضطرابات القلق، تشمل الأدوية مثل مضادات الاكتئاب من فئة SSRI، والعلاجات النفسية كالعلاج بالتعرض والعلاج السلوكي المعرفي. أفاد البروفيسور روبنسون بأن ما بين ثلثي و ثلاثة أرباع المرضى يستجيبون بشكل كبير لهذه العلاجات أو لمزيج منها. ومع ذلك، يقرّ بأن البعض قد يحتاج إلى إدارة الأعراض على المدى الطويل. ويشدد على أن “لا بديل عن علاج القلق”، لكنه يشير إلى أن تعديلات نمط الحياة الصحية يمكن أن تخفض القلق إلى مستوى يمكن إدارته.

عادات تزيد القلق سوءاً

تسهم بعض العادات اليومية في تفاقم مشاعر القلق، وغالباً ما تكون هذه العادات مرتبطة بالحلول قصيرة المدى التي تؤدي إلى دورات سلبية. من أبرز هذه العادات: العزلة الاجتماعية، حيث أن البقاء في المنزل وعدم التفاعل الاجتماعي يفاقم القلق الاجتماعي ويزيد من مخاطر الاجترار الفكري. كما أن قلة النوم، التي تزيد التوتر وتضعف قدرة الدماغ على تنظيم المشاعر، تلعب دوراً محورياً. ويعتبر الإفراط في تناول الكافيين، الذي يحفز هرمونات التوتر، سبباً مباشراً في زيادة أعراض القلق وتفاقمها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن اللجوء إلى الحلويات لتهدئة المزاج قد يؤدي إلى الاعتماد العاطفي على الطعام وزيادة خطر الإفراط في الأكل. هذا يتماشى مع الأبحاث التي تربط النظم الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة بزيادة خطر القلق. وأخيراً، يساهم الخمول وقلة النشاط البدني في زيادة خطر الإصابة بالقلق، بينما يساعد النشاط البدني المنتظم على إفراز هرمونات السعادة وتخفيف التوتر.

تتجه الأنظار الآن إلى ضرورة توعية الأفراد بأهمية تبني أنماط حياة صحية وتجنب العادات التي تزيد من تفاقم اضطرابات القلق. وبينما تواصل هيئة الخدمات الصحية الوطنية جهودها لتوسيع نطاق الدعم المتاح، لا تزال هناك تحديات تتعلق بكيفية وصول هذه المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة إليها، وما إذا كانت الموارد المتاحة قادرة على تلبية الطلب المتزايد.

شاركها.
Exit mobile version