تسارعت وتيرة الحديث عن سباق فضاء جديد بين الصين والولايات المتحدة، بعد أن حددت وكالة الفضاء الصينية برنامجها الطموح للهبوط على سطح القمر بحلول عام 2030، وتأسيس قاعدة هناك لاحقًا. يأتي هذا التطور في الوقت الذي تواجه فيه مهمة “أرتيميس 3” التابعة لناسا تأخيرات مستمرة، مما أثار قلق المسؤولين الأمريكيين بشأن فقدان الريادة في مجال استكشاف الفضاء.

في تصريح له، وصف جاريد أيزكمان، الرئيس الجديد لوكالة ناسا، المنافسة مع الصين بأنها “شرسة”، مؤكدًا على ضرورة العمل بسرعة لتجنب التخلف عن الركب، الأمر الذي قد يغير موازين القوى على الأرض. هذا التنافس المتصاعد يطرح تساؤلات حول قدرة الصين على التفوق على الولايات المتحدة في الوصول إلى القمر، وكيف ستجرى رحلاتها الفضائية، ومدى تطور تقنياتها مقارنة بالتقنيات الأمريكية.

التنافس الصيني-الأمريكي على القمر

على الرغم من أن وكالة الفضاء الصينية المأهولة (CMSA) نفت مرارًا وجود سباق فضاء مع الولايات المتحدة، إلا أن برنامجها الفضائي المأهول يتطور بخطى ثابتة نحو أهداف واضحة، أبرزها تحقيق هبوط للبشر على سطح القمر بحلول عام 2030. فيما تسعى ناسا، من خلال برنامج “أرتيميس”، إلى إعادة روادها إلى القمر، إلا أن التأخيرات المتلاحقة في إطلاق مهمتي “أرتيميس 2″ و”أرتيميس 3” أثارت قلقًا داخل الإدارة الأمريكية. فقد وجه البيت الأبيض بضرورة إعطاء الأولوية لهبوط رواد الفضاء الأمريكيين على سطح القمر بحلول عام 2028، مما يزيد من حدة الضغط على ناسا لتقديم جدول زمني محدد.

وفقًا لأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، فإن الصين لا تقر بوجود سباق فضاء، لكنها تعمل بجد لإظهار نفسها كقوة فضائية عالمية. يشير هذا إلى أن أهداف بكين استراتيجية وتتجاوز مجرد اللحاق بالركب، بل تسعى إلى ترسيخ مكانتها الريادية في هذا المجال.

المركبات الفضائية الصينية وخططها المستقبلية

تعتمد خطط الصين القمرية على مركبتين فضائيتين رئيسيتين: “مينغتشو” (Mengzhou) و”لانيو” (Lanyue). تُعد “مينغتشو” مركبة فضائية متعددة الأغراض مصممة لاستيعاب ما يصل إلى سبعة رواد فضاء، مع إمكانية نقل ثلاثة منهم فقط إلى مدار قمري منخفض. تتميز بتصميم مخروطي الشكل مع وحدة خدمة خلفية، وهو تصميم يذكر بمركبات فضائية أمريكية وسوفياتية سابقة، ولكنه يعتمد على مبادئ الديناميكا الهوائية الأساسية لضمان الإطلاق الآمن والعودة عبر الغلاف الجوي.

تُسوّق “مينغتشو” كمركبة قابلة لإعادة الاستخدام، حيث يمكن استبدال درعها الحراري بعد كل رحلة، مما يقلل من تكاليف التشغيل. ومن المقرر أن تتم عمليات الهبوط في صحاري غرب الصين، باستخدام وسائد هوائية لحماية المركبة من التلف. سيتم إطلاق “مينغتشو” بواسطة صاروخ “لونغ مارش 10” الجديد، الذي يبلغ ارتفاعه 92.5 مترًا ويولد قوة دفع تبلغ 2678 طنًا، وهو ما يجعله قويًا بما يكفي للمهام القمرية، وإن كان أقل قوة من صاروخ “ساتورن 5” أو صاروخ “أرتيميس 2” الأمريكي.

ستتكامل “مينغتشو” مع مركبة الهبوط القمري “لانيو”، التي تزن حوالي 26 طنًا ويمكنها حمل مسبار قمري بوزن 200 كيلوجرام. ستلتقي المركبتان في مدار قمري، ثم ينتقل رائدا فضاء إلى “لانيو” للهبوط على السطح، بينما تنتظر “مينغتشو” في المدار للعودة. بدأت اختبارات “لانيو” في عام 2024، ومن المقرر أن تنطلق “مينغتشو” في رحلة آلية عام 2026، و”لانيو” عام 2027. أما أول مهمة اختبار مشتركة فيُتوقع أن تكون عام 2028 أو 2029، تليها أول مهمة مأهولة إلى القمر بعد عام.

خطة صينية طويلة الأجل للفضاء

يعكس برنامج الفضاء الصيني التزامًا طويل الأمد بخطة تُعرف بـ “مشروع 921″، التي تمت الموافقة عليها لأول مرة عام 1992. على عكس برنامج “أرتيميس” الأمريكي الذي شهد تغيرات متعددة في الأهداف، حافظت الصين على مسار ثابت نسبيًا، مدعومًا من الحزب الشيوعي الحاكم. يرى الخبراء أن هذا التخطيط المتكامل يميز جهود الصين، حيث لا تقتصر على إطلاق المهمات بل تنظر إلى الفضاء كنشاط شمولي يسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية.

تتكامل عناصر البرنامج الصيني ببراعة، بدءًا من إطلاق كبسولات “شنتشو” المأهولة، مرورًا بمحطة الفضاء “تيانغونغ”، وصولًا إلى تطوير مركبات قادرة على نقل الطاقم إلى مدار الأرض. تزامن ذلك مع إطلاق مركبات روبوتية قمرية مثل “تشانغ إي – 6” التي نجحت في إعادة عينات من الجانب البعيد للقمر. وقد بدأت هذه الجهود ببطء وروية، مستفيدة أحيانًا من الخبرات الدولية، مثل استعارة تصميمات من مركبة “سويوز” الروسية في بدايات برنامج “شنتشو”.

تشير بعض التحليلات إلى أن تصميم “مينغتشو – لانيو” يشبه ما اقترحه مدير ناسا السابق، مايكل غريفين، لبرنامج “كونستليشن” في عام 2005. يعكس هذا التشابه طموح الصين إلى تحقيق تقدم سريع، مستلهمين نجاح برنامج “أبولو”.

في ظل هذه التطورات، يدرك مسؤولو وكالة ناسا، مثل أيزكمان، ضرورة تسريع وتيرة العمل. ورغم تجنب ذكر الصين بالاسم صراحة، إلا أنه يصفها بأنها “خصمنا الأكبر” و”منافسنا”. يرى بعض المحترفين القدامى في ناسا أن التحدي الصيني، سواء كان معلنًا أو متصورًا، يمكن أن يكون حافزًا لبرنامج “أرتيميس” للمضي قدمًا، مما يعكس حقيقة أن المنافسة، حتى تلك غير المعلنة، قد تكون دافعًا للابتكار والتقدم السريع.

ما الخطوة التالية؟

يبقى التحدي الرئيسي أمام ناسا هو الالتزام بالمواعيد النهائية المقترحة، خاصة مع تعقيدات تطوير وتشغيل مركبات فضائية جديدة. تراقب وكالات الفضاء والمراقبون عن كثب تقدم الصين في برنامجها القمري، خاصة في ظل تأكيدها على تحقيق الهبوط بحلول عام 2030. ستكون الأشهر والسنوات القادمة حاسمة في تحديد مسار سباق استكشاف القمر، ومدى قدرة كل من الولايات المتحدة والصين على تحقيق أهدافهما الطموحة.

شاركها.
Exit mobile version